العودة   .:: شبكة ناوا عروس النيل::. > ساحة عروس النيل للأغاني السودانية > أغاني وأغاني
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

أغاني وأغاني أغاني سودانية حديثة وشعبية

إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-04-2009, 11:53 AM   #57
مخلص جدا لعروس النيل
 
الصورة الرمزية ابو ريم
 









ابو ريم غير متواجد حالياً
افتراضي رد: أصل حقيبة الفن (نفحات)

 

من الرميات الثقيلة لود الفكى هذه الاهزوجة من كلمات الشاعر حسن سالم من ابناء كبوشية و هو أُمى و كان يعمل فى صناعة سروج الجمال(30):

عشبة البـــــــــانة *** الماحت اغـصــــانا
فى جــــــــــــــوفى *** واجة نــــــــــيرانا
نفس....................... جايانا
من صوارم عشبة البانا
حادة هنديها و سانة سنانا
من سهام العين اين ملجانا
ملكة اعوانا...........
الخواص و العوام *** يخشوا من شـــــــأنا
خيالها حيانا ....................
من فروع المسك فاح جانا
أتبه منه افكارى ذهلانا
مترف جسمك وضعه اعيانا
و زهرة الــــــورد المروى بستانـــــــــــا
العشوق روحو تعبانا.........
خلى من البين لاذعة تعبانا
يا كريم اكتب ليمه و يانا
و من اغنياته ايضا ذات الايقاع الثقيل:
ودى الجواب جيبى يا روح الغرام
اوصيك لحبيبى رديلو الســـــــلام
تجيك تتدرج يا عاشق اتــــــفرج
هوى هوى يا الله
و ايضا على الايقاع الثقيل اغنية "دارس العلم" نظمها ود الفكى يستعطف فيها والده و يروى انه كان يؤدى المقطعين الاولين على ايقاع خفيف سريع ثم يعمد الى تغييره الى الايقاع الثقيل فى الثلاثة مقاطع الاخيرة (1):
يا دارس العــــــــلم
بلاهن دين ما بتــــم
دى النَّيَّة مهيرة النَّقا
نظيرها قط ما اتلقى
الراوى يشرح ينِـم
فوق الجديد و القدم
حواك يا دارس العلم
و كذلك على نفس الايقاع
سميــــــــــت بى رب القســـوم
شكرك فِـــــــــــعال ما بالخشوم
شوفتك تباخت كل شـــــــــــــوم
الدّرعة أم رشوم فةقها يا القيوم
انا ما بنوم سببى أم رشـــــــوم
الليلة نام الغريد نــــــــــــــــــام
الليلة نام بصديره عــــــــــــــام
الليلة نام جوز الحـــــــــــــــمام
و من غنائه الخفيف الايقاع (30)
روحي ملهوفة
اسمعوا وصوفة
بالنظر خلاي ستى كيوفة
نفسي يا نفسي انت مشغوفة
ارجعي و أمرك قالوا لا يشوفة
روحي عياها.............
النضير الدر من ثنياها
المسك عرفه و نشره من فاها
تاخذ الابصار ستي محياها
عنى محجوبة
ابتلت عقلى بابتلا أيوبا
كادت أعضاي فرقها يذوبا
نعم للحازو الوهرة يحيوبا
السلام سيرة .....
يسري يسبق الطيرة
يوصلوا و يرضي وجهها النيرا
تقبله و تثني علينا بي غيرة
من أغانى ود الفكى الخفيفة ايضا (1):
اسمك ما بجيبوا يمين
لو ضربونى بالمرتين (مدفع)
في اول براءة
و آخر حروف يس
في العمران وسط
و في المايدة بين جزئين
تفسير غميس فيهو
العلماء مختلفين
فهو هنا يدل على اسم حبيبته بخفاء و الغاز و يدعو العلماء لحله.... فهل وفقت انت عزيزى القارئ؟


و أيضا من الغناء الخفيف
اللهيجا دقاق فوقها يا الخلاق
ياربى الخلاق ست ريدى ما تنعاق
يخفى الحرير جســــــــــــــــمك
قسم الدهب وســـــــــــــــــــمك
انا مشتاق
بدات شمس ود الفكى تخبو في أواخر العشرينيات و أخيرا اعتزل الغناء بعدما ضاقت نفسه بما ابتدعه المجتمع من احتفاء مكلف بالمطربين و كان بقول لصحبه انه لن يقبل مطلقا بان يغنى في مقابل اجر و كان يتضايق بشدة من الاسر التي ترسل له عربة لتقله إلى دارها لاحياء افراحها (19). كان ود الفكى آخر مطرب مشهور باسلوب الرميات الذي خشى أن يلاقى مصير عبد الغفار امير الطنابرة (انظر ترجمة سرور) فانقطع بدوره عن الغناء في الحفلات و اكتفى بان يغنى ضمن نطاق اصدقائه عبد الوهاب بابكر ، الخليفة عثمان و مصطفى التنى (22). هذا ما ادعوه الوجه القاتم لتلك الفترة حيث كان سرور من الفتوات و ليس عندى شك في أن سرور مارس جبروته لازاحة ود الفكى حتى يخلو له الجو.

ساعد البحث الفنى للمبدعين الثلاثة ود الفكى، خليل فرح و سرور على تحقيق قفزة نوعية في لون الاغنية السودانية و حددت اتجاه تطورها لاحقا، و من المهم أن نشير إلى أن هذا الثلاثى قد مثل آنذاك مختلف وجوه الثقافة الموسيقية في السودان و هي مرحلة طفولة الاغنية السودانية و مهد صباها (22).










التوقيع
مرر الماوس


التعديل الأخير تم بواسطة ابو ريم ; 06-03-2009 الساعة 01:00 PM.
 
رد مع اقتباس
قديم 03-04-2009, 12:19 PM   #58
مخلص جدا لعروس النيل
 
الصورة الرمزية ابو ريم
 









ابو ريم غير متواجد حالياً
افتراضي رد: أصل حقيبة الفن (نفحات)

 

الامين برهان
حياته:
المطرب الامين برهان ولد العام 1901 و لقد توفى صغيرا نسبيا حيث توفى و هو في 44 من عمره و كانت وفاته في 29 سبتمبر 1945. و كانت وفاته فقدا كبيرا لصوت ساهم مساهمة فعالة في النهوض بفن الغناء السودانى قبل ظهور الميكروفونات و قبل انتشار الآلات الموسيقية و كان برهان ملحنا بجانب قدراته المميزة في الاداء (1).

أغنياته:

تغنى برهان للكثيرين من الشعراء منهم البنا و سيد و بطران و خليل فرح و غيرهم. يقول الشاعر سيد عبد العزيز انه تعرف إلى برهان قبل تعرفه بسرور. و يضيف أن الصداقة التي جمعت برهان بكرومة كانت السبب في العلاقة التي جمعت برهان بسيد.

برهان كانت صلته اقوى بعمر البنا الذي نظم له عددا من القصائد و لحن معظمها بل انه لحن له قصائد من شعراء حقيبة آخرون. و أهم هذه القصائد قصيدة "مرضان باكى فاقد" التي نظمها الشاعر محمد على عثمان بدرى و لحنها عمر البنا. و نظم و لحن عمر البنا له أيضا اغنية "ياعينى وين تلقى المنام احبابك جفونى" .

من اغنياته أيضا التي سجلها في اسطوانات:

- الجنان في الدنيا وهى من كلمات سيد عبدالعزيز ولحن سرور و يرجح سيد انها من تلحين كرومة و هي مجارية لأغنية زاد اذاى ياصاحى وهى من كلمات عبيد عبدالرحمن وسجلها على الاسطوانات كرومه
- مرضان باكي فاقد وهى من كلمات محمد عثمان بدري ولحن عمر البنا ولقد جاراها عبيد عبدالرحمن بأغنية ولهان هامي دمعي التي تغنى بها سرور وسجلها للإذاعة أولاد المأمون

- ياعينى وين تلقى المنام وهى من كلمات والحان عمر البنا ولقد شاركه عمر البنا وكرومه في الكورس عند التسجيل وهذه الأغنية جاراها عمر البنا نفسه بأغنية طال وجدي بيك والتي سجلها على الاسطوانات الفنان إبراهيم عبدالجليل وللإذاعة أولاد المأمون وبادي محمد الطيب

- عقلي انشغل بهواك وهى من كلمات مصطفى بطران و تلحين الامين برهان (1) و يقال لسرور وشاركه فى الكورس سرور وكرومه

عقلي انشغل بهواك
كلمات الشاعر / مصطفى بطران
غناء الفنان / الأمين برهان

عقلي انشغل بهواك والحكمه عيني لاجه ومجافيه النوم
يا اربعينى
*********
هاك بعض حالي البى روقي اسمعيني .... شاكى الغرام ما لقيت لي من معين
لو كان كلام في الطيف مره اسمعيني .... خليني أصلى النار في هواك دعيني
*******
فوق اللجارى على لا تجرديني ..... ثوب الغرام ودوام عنه انشدينى
طايع مريد لقساك باهل يدينى ... ما اخترت غانيه سواك وحق ديني
********
مهما يلاقى عذاب قلبي السجيني .... ومهما يزيد ويفيض همي ويجينى
لو كان يزور الطيف مره ويجينى ... تلبس حظوظي السود ثوب اللجين
*********
من يوم رماني سنان لحظك سنينى ... محق على نومي ومحق سنينى
أصبحت كل صباح يزداد انينى .... كالبلبل المفرود يا مي حنيني
******
مهما تكيلي غرامك ما بتفينى .... فوق ما أطيق في الهجر تكلفيني
دائما تزيد علىّ دائي الدفينى ....لمتين تراعى لحالي وتنصفيني
*******
امتحنى قلبي في حبك جربيني ... وبعدين بناراشواقــــك الهبينى

زيدي في جواك وصدودك اتعبينى .... وحالف عليك بالحب ياجاهله بينى


أغنية عقلي انشغل بهواك قالها مصطفى بطران في مليم الجميلة والتى اعجب بها الكثير من شعراء الحقيبة والتي أشار لها بالرقم أربعين والذي يقابل حرف الميم ولقد سجلها الفنان الأمين برهان وكان معه في الكورس سرور وكرومه وصوت سرور يظهر بصورة واضحة في هذا التسجيل وهذه الأغنية من الاغانى الحزينة وكل كلماتها حكى فيها بطران عن حالته المرضية وآلامه ومعاناته مع مرض السل ولقد أشار لمرضه كثيرا.(24)

- "بلابل الدوح ناحن" وهى من كلمات ابراهيم العبادى والحان سرور و قد شاركه في الغناء عند تسجيل الأغنية وهذه الأغنية الفها الشاعر في زواج الأمين برهان بعد ان تخاصم سرور وبرهان ليصلح بينهما قائلا .....

( أرجوك ياسرور روح لبرهان .... جرحو الغور ما بشقيه دهان )
وهذه الأغنية مجاراة لأغنية ليالي الخير للشاعر الشيخ محمد ودالرضى. هذه الاسطوانة من الاسطوانات النادرة ولا تملكها الإذاعة ولم تبث حتى الان.. هذه الاسطوانة بحوزة فيصل سرور ( نجل الفنان سرور ) لكنه رفض إهداء نسخة من التسجيل للإذاعة لأسباب خاصة به بالرغم من مناشدة الأستاذ عوض بابكر له كثيرا من خلال البرنامج ... ويقول الذين استمعوا لهذه الاسطوانة إن الطرب وصل بسرور إلى مرحلة جعلته يشارك الأمين برهان في الغناء...(24)


- "ياحبيب رحماك" وهى من كلمات عبيد عبدالرحمن ولحن الأمين برهان وهى مجاراة لأغنية ياظبى رامه لابوصلاح والتي سجلها ابراهيم عبدالجليل ولأغنية الطيور تفريدة لابوصلاح والتي سجلها كرومه وابراهيم عبدالجليل

- "دمع المحاجر سال" وهى من كلمات عتيق و تلحين الامين برهان ولقد رافقه في الكورس كرومه وعمر البنا

- "القصور زينة الفصول" وهى من أول قصائد خليل فرح الغنائية وتغنى بها الامين برهان

- "الشرق لاح نوره وازدان" سجلها الأمين برهان و هي كذلك لخليل فرح

- "زاهى فرعك سما ونما" وسجلها الأمين برهان و هي كذلك لخليل فرح

كما ان الأمين برهان قد سجل أغنية "جدية الصيد" لسيد عبدالعزيز و"زهر الروضة نور"نظم و تلحين عمر البنا لكن هذه الاسطوانات قد اختفت والجدير بالذكر ان أغنية جدية الصيد قد سجلها للإذاعة الفنان بادي محمد الطيب بينما أغنية زهر الروض نور سجلها أولاد المأمون.

ولقد ذكر اسم برهان كثيرا في اغانى الحقيبة مقترنا باسم سرور ففي أول أغنية حقيبة وهى ببكى وبنوح بصيح ذكر اسم برهان مع سرور مما يدل على انه رافق سرور قبل ظهور أغنية الحقيبة في زمن الطنبرة قال العبادى
( يضرب سرور مزيكا .... يالامين الله يجازيكا)
وكذلك قال العبادى في أغنية شيخ ريا
صيح سرور وتلاه الأمين .... وضلت قلوب العالمين
عاقلن يلزمنى اليمين ... ما عرف شماله من اليمين
وأيضا ذكر اسمه في أغنية بلابل الدوح ....
أرجوك يا سرور روح لبرهان ...... جرحو الغور ما بشفيه دهان (24)

سافر برهان إلى مصر في عام 1934 برفقة صديقيه كرومة و سرور و سجل مجموعة غنائية اشهرها "الجنان في الدنيا" كلمات سيد عبد العزيز و كان معه في الكورس كرومة و سرور و رجح سيد أن يكون كرومة هو ملحن هذه الاغنية بدعوى أن كرومة هو من دعاه إلى حضور حفلة زواج محمد شيخ العرب في امدرمان و هو من اقرباء كرومة (1).

سافر برهان إلى مصر مرة اخرى برفقة الشاعر عمر البنا و زميله الفنان كرومة في عام 1936 و سجل في هذه الرحلة مجموعة من الاغنيات اشهرها "ياعينى وين تلقى المنام" و عاونه في الكورس عمر البنا و كرومة و معها كذلك اغنية "دمع المحاجر" التي يظهر فيها صوت البنا و كرومة (1).


والواقع إن الحاج سرور عميد الفن والمطرب العذب الصوت الأمين برهان ونجم الحفلات الساطع المرحوم كرومه كانوا يمثلون ثلاثتهم فريقا واحدا وكانت تربطهم مع بعض أواصر متينة ولكن الشقاق دب بينهم فانفصلوا عن بعضهم وسرعان ما أحتضن أبو صلاح كرومه فقدما أشهر وأجمل الأغاني (الشاعر مسعد حنفى)

و كان الامين برهان هو من نقل غناء عمر البنا (2) عندما زار رفاعة لام درمان وتغنى سرور على نفس الروي بعد ذلك. و كان عمر البنا هو أول من طور الطنبور برفاعه وكان يغنى لحسناوات رفاعه وهن يقمن بدور الكورس مثل ...

الليلة ليل يا ليلة ليل
في نزهة في غبطة وهنا *** ياعبيد رعاك الهنا
يا حليل سويعاتنا المضن *** زى البروق الاومضن
اتكهــــربن ما اتلمضن *** فتحن عيونهن وغمضن
مع عمر البنا:
التقى برهان بعمر البنا في كثير من الأغاني و أشهرها " يا عيني و ين تلقي المنام أحبابك جفوني" و شكل برهان جبهة قوية مع كرومه و البنا لمنافسة سرور و عبد الله الماحي و بحلول الثلاثينيات استطاعت هذه الجبهة أن تطغي على الفن الغنائي و يسود إنتاجها بواسطة أبو صلاح و عمر و عتيق و بغناء كرومه و الأمين برهان (2).


مع خليل فرح:
علاقة الأمين برهان بخليل فرح كانت علاقة قوية و كان الخليل لا يرضي بغير صوت برهان بديلا و كثيرا ما قضيا لياليهما في الغناء مع بعضهما البعض و قد غني برهان بعض أغاني الخليل كما تقدم (بين ها القصور زينة العصور، أشرق نوره و أزدان، زاهي فرعك نما و سما). و الأمين كان يشابه الخليل في كثير من الصفات و يكفي انه كان بعيدا عن المضاربات مثله مثل الخليل (2).










التوقيع
مرر الماوس


التعديل الأخير تم بواسطة ابو ريم ; 06-03-2009 الساعة 12:58 PM.
 
رد مع اقتباس
قديم 03-04-2009, 12:22 PM   #59
مخلص جدا لعروس النيل
 
الصورة الرمزية ابو ريم
 









ابو ريم غير متواجد حالياً
افتراضي رد: أصل حقيبة الفن (نفحات)

 

فوز

و تدير الراح غانيـــــة ***حسنها كالبدر متســـــــــق
حليها نفس مهذبـــــــة ***و شباب ريـــــــــق لبــــــق
فإذا ما أسفرت سبحت ***نحوها الأرواح تستبـــــــق
أو تغنت بيننا خشعـــت ***حولها الآذان و الحـــــــدق
و نجوم الليل ذاهلـــــة ***كجفــون هدهـــــــــا الأرق


توفيق صالح جبريل
مقدمة:

قبل أكثر من سبعين عاما، لعبت الصالونات الأدبية في أم درمان دورا كبيرا في التـأثير على الحياة الاجتماعية و السياسية و الوطنية و بالأخص الأدبية. وكانت هذه الصالونات تدار بواسطة فتيات حسناوات و ينجذب إليهن و يفتتن بهن كل عاشقي الجمال و الشعر و الأدب كما كانت تجذبهم زهرة خليل "زهرة روما" أو الإغريقية الحسناء في سودان بوكشوب التي كانت تجذبهم بجمالها الى المكتبة لشراء الكتب. و من هذه الصالونات صالون فوز، ومدام دي باري، ووحيد ابن الرومي و البرتكان بنت الدويم عشق محمد أحمد محجوب الأول.



ومن مثل هذه الصالونات انطلقت أجمل القصائد التي نستمع إليها اليوم. فمن دار فوز انطلقت بعض أغاني الخليل مثل "الشرف الباذخ" و من صالون مدام دي باري انطلقت قصائد والتني ومحمود حمدي. و في صالون وحيد ابن الرومي، تلك المغنية ذات الصوت الأخاذ، كان يشد إليها الرحال في القطينة جمع من مثقفي تلك المرحلة لسماع صوتها، ومن هؤلاء محمد احمد محجوب وعبد الحليم محمد .



ومدام دي باري هي الأخرى لا تقل دارها عن دار فوز، بل ربما كانت اكثر ثقافة منها، والشباب المثقف الذي كان يجتمع في دارها، هو صفوة الحركة الفكرية والوطنية حينئذ، و يقع منزلها في حي الشهداء، و ظهر أثرها واضحا في شعر التني ومحمود حمدي. إن مدام دي باري من بيت هو من اعرق بيوت الأسر الأم درمانية، ومن احد اعرق أحياء أم درمان، وان زوجها شخصية معروفة من خريجي الكلية، ومن أعضاء نادي الخريجين، ومن الذين أسهموا في الحركة الرياضية من خلال إسهامه في أحد أهم الفرق الرياضية(د. عبد الله حمد -الصحافة- العدد 5297).



الصفة الظاهرة في هذه الصالونات إنها كانت مركز تجمع للمثقفين و والوطنيين و الأدباء و محبي اللهو و رفقاء الكأس و لكن كان لها صفة خفية حيث إنها كانت تمثل مكانا آمنا لاجتماعات الحركة الوطنية و مكانا لطبع المنشورات و توزيعها ضد المستعمر البريطاني.



من هي فوز:

فوز فتاة سودانية أديبة على قدر هائل من الثقافة و الأيمان بقضايا السودان و على قدر من الأدراك من حيث معرفتها للوسيلة و صولا للغاية و لذلك لم تخذل هولاء الفتية برغم الرقابة اللصيقة و عين المستعمر التي لا تنام (41) . اسمها الحقيقي "مبروكة" و لقبوها ب "فوز" و هي صاحبة العباس بن الأحنف (26)





و قصيدته ملا السمع و البصر حيث يعرفها الكل لجمالها و بلاغتها و يتغني بها بعض الفنانين و قال فيها::



دار فوز – عباس بن الأحنف

يا دار فوز لقد أورثتني دنفا = وزادني بعد داري عنكم شغـــفا

حتى متى أنا مكروب بذكركم = أمسي وأصبح صبا هائما دنفا
لا أستريح ولا أنساكم أبدا = ولا أرى كرب هذا الحب منكشفا
ما ذقت بعدكم عيشا سررت به = ولا رأيت لكم عدلا ولا خلفا
إني لأعجب من قلب يحبكم = ولا أرى منكم برا ولا لطــــــــفا
لولا شقاوة جدي ما عرفتكم = إن الشقي الذي يشقى بمن عرفا
ما زلت بعدكم أهذي بذكركم = كأن ذكركم بالقلب قد رصـــــــــفا
يا ليت شعري وما في ليت من فرج = هل ما مضى عائد منكم وما سلفا
اصرف فؤادك يا عباس منصرفا = عنها يكن عنك كرب الحب منصرفـا
لو كان ينساهم قلبي نسيتهم = لكن قلبي لهم والله قد ألـــــــــــــــــــــــفا
أشكو إليك الذي بي يا معذبتي = وما أقاسي وما أسطيع أن أصــــــــــفا
يا هم نفسي ويا سمعي ويا بصري = حتى متى حبكم بالقلب قد كلــــــــفا
ما كنت أعلم ما هم وما جزع = حتى شربت بكأس الحب مغتــــــــــــرفا
ثارت حرارتها في الصدر فاشتعلت = كأنما هي نار أشعلت سعـــــــــــفا
طاف الهوى بعباد الله كلهم = حتى إذا مر بي من بينهم وقـــــــــــــــــــفا
إذا جحدت الهوى يوما لأدفنه = في الصدر نم علي الدمع معتــــــــــــرفا
لم ألق ذا صفة للحب ينعته = إلا وجدت الذي ما بي فوق ما وصـــــــــفا
يضحي فؤادي بهذا الحب ملتحما = وقفا ويمسي علي الحب ملتحـــــــفا
ما ظنكم بفتى طالت بليته = مروع في الهوى لا يأمن التــــــــــــــــــــلفا
يا(فوز) كيف بكم والدار قد شحطت= بي عنكم وخروج النفس قد أزفــــا
قد قلت لما رأيت الموت يقصدني = وكاد يهتف بي داعيه أو هـــــــــــتفا :
أموت شوقا ولا ألقاكم أبدا = يا حسرتا ثم يا شوقا ويا أســـــــــــــــــــفا







رويت عن فوز الحكايات و الحكايات الطويلة و سرها كتمته بين ضلوعها لم تبح و تحملت في صبر و جلد..



و يصفها حسن نجيله (30) فيقول " إنها لم تكن كالفتيات العابثات لقد كانت دنيا لوحدها جمالا و ذكاء و رقة و عذوبة و كان دارها ملتقى للأدباء و الشعراء و الفنانين ... تشجي و تروي و تلهم. و كان دارها حلقة من حلقات الفن و الأدب و لولا أن قعدت بها قلة الثقافة و فقدان التعليم لما كان شأنها باليسير في تاريخ أدبنا و فنانينا. بل كانت أكثر من ذلك حيث تسمع إلي الشعر و النقاش الأدبي فلا يخطئها الفهم و تشارك في ذلك بذكائها الفطري اللماح.



كانت جلسات دار فوز و إن كان طابعها اللهو إلا أنها أثمرت أدبا و فنا و هيأت نفوسا للعمل الجاد الشاق في سبيل السودان. من بين الحضور في جلسات دار فوز؛ خليل فرح و توفيق صالح جبريل و محي الدين جمال أبو سيف و الشاعر مكاوي يعقوب و و الأستاذ الأمين علي مدني صاحب كتاب "أعراس و مآتم" الذي مات قبل إن يري كتابه و آخرون (30) و عبيد حاج الأمين و صالح عبد القادر و سليمان كشة و احيانا المطرب ابراهيم عبد الجليل.



دار فوز

يسجل التأريخ لدار فوز (منزلها) مكانا بارزا في المجال الوطني و الشعري. ذكر محيي الدين جمال أبو سيف أنه من بين أعضاء جمعية الاتحاد كان يعرف والدة فوز، وانه التقى بها مصادفة وهي تبحث عن سكن، فعرض عليها المنزل الذي استأجرته الجماعة لإخفاء الآلة الطابعة التي أهداها عبد الله خليل للجمعية، وانه قصد من وراء ذلك التمويه. كان يقع دار فوز في فريق ريد احد فرقان حي الموردة العريق وهي عبارة عن قصر قديم يوجد في زقاق ضيق خلف جامع الادارسة بحي الموردة و كانت ملتقى للوطنيين و الشعراء و طالبي اللهو. فقد كان يلجأ إليه خليل فرح و من معه من المناضلين الشباب و قضاء الساعات الطويلة بداخلها حين كانت القضايا اكبر من أن تطرح في الساحات و بالصوت العالي و تدور المناقشات و الكؤوس في آن واحد و تطرح القضايا.





وأثناء هذه الجلسات كان ينفرد محيي الدين جمال وتوفيق صالح جبريل دعامات جمعية الاتحاد السرية لإعداد منشورات يحضان فيها على مناهضة الحكم الإنجليزي التعسفي، وهناك آخرون في نفس المجلس مهمتهم إلصاق هذه المناشير عند الفجر في أماكن عامة. لم يكن هناك رونيو بل كانت هناك أداة طباعية اسمها (بالوظة) حيث كان الضابط الثائر عبد الله خليل يتولى طبع تلك المنشورات وتوزيعها. من دار فوز كانت تخرج الثقافة والأدب والمناشير السرية بل قويت شوكة الجمعيات الوطنية التي توجها اللواء الأبيض.



الخليل و فوز:

كانت فوز تتغني بأبيات الخليل و منها ما قاله الخليل في وصف تلك الجلسات المرحة (36)

(أورد القصيدة كاملة لعدم وجودها في الشبكة)







الرحلة (من الخرطوم الي دار فوز)

دير كئوسك و أنشدني بــــاب *** حبيبي زيـــــــن الشبــــــــــاب

اسقنيها الصافية أم حبــــــاب *** دق كأسي و قول لي حبـــــاب
يومنا صافي و خالي الضبــــــــاب *** يانديم كيف مرح الشباب
يا نديمي العاشق مراب *** أين أين كئوس الشـــــــــــــــــراب
أملا و أنصف حتي التراب *** داير اشوف العالم ســــــــــراب
خلي سيب الايام صعاب *** خاوي دهرك و لو إنه عـــــــــــاب
كم سلكنا أزقة و شعاب *** زرنا حانة و نهضن كعـــــــــــــاب
يا ندامي سيبوا الحساب مال عقولكم ميزانه ســــــــــــــــــــاب
الحساب لي يوم الحساب *** و و الصديق و المال إكتســـــاب
قوموا بينا نزور أم جواب *** قالوا عاد راجين الثـــــــــــواب
يا غلام من سوق الدواب *** نادي تاكسي يكون ذو صــــواب
الركاب العالي و مهاب *** إسمه موريس ناعم إهــــــــــــاب
يلا يا مزراق الشهاب *** أنا قانص و الصيد رهــــــــــــــــاب
نحن جينا قصاد الصباب *** بق نور الموردة أم عبــــــــــــاب
ديك مشارع (خولة و رباب) *** ديك بيوتن تحت الضبـــــــاب
عدي يا سواق العقاب *** إلا نعدم عود الثقــــــــــــــــــــــــاب
في محطة شوقي العتـــــــاب *** قف قليلا نطوي الكتـــــــاب
داك رسولن هدو جانا تـــــاب *** رب هون لينا المتـــــــــاب
قال حبابكم ركب النـــــــــواب *** غفروني رجيتكم بــــــــواب
الزبيدة الشارفة الــــــــرواب *** رسلوها شالت الجــــــواب
سوق يا صــــــــاحب الركاب *** و أبقي ناهض للرفقة كاب
العشوق الي مــــــــــاله كاب *** ما بفوتن إن راحــــــو كاب







و ينفجر الجميع ضاحكين حينما يصور الخليل مروره ببناية مركز أمدرمان حيث كان البطش و الجبروت ممثلا في (الذئاب) البشرية من المستعمرين:



خبي كاسك ما ينوبنا ناب *** كله خشم المركز (ذئـــــاب)



و تمضي فوز فى الغناء بينما الخليل يدنو في قصيدته من دارها شيئا فشيئا:



نحن من الليث في جنـــــــــــاب *** مابيصح تبريـــــــــم الشناب

يا سلام السوق ماله غاب *** ريحته فايحة تقول هيش و غاب

الغفير في إندايته غاب *** عينه جارية و صفارته غــــــــــــاب
الكلب موقوف ولّه تاب *** لا ورق لا كأس لا عــــــــــــــــقاب
الزباين عاملة إكتتاب *** ما بنشوف غير طاولة و كتــــــــــاب
قوموا بارو الطير و السراب *** طيروا بس قاعدين للخـــــراب
الشهر ما فات العقـــــــــــاب *** كلكم نافضين الـــــــــــــــجراب
ميل شمالك خلي المساب *** في يمينك بـــــــحرا تســـــــــــــاب
قلبي هدي و خلي الوثاب *** هـــــبّ ريح نوباوي رشدي غـــاب
السلام الحالي و مـــــــذاب *** في الثنايا الغـــــــر العــــــــــذاب
يطفي نار الشوق و العذاب *** (فوز) قول آمين قلبـــــــــــي ذاب
ثم يذكر صحبه







نحن صحبة و أخوان نجاب *** لي دعانا المولي استجـــــاب


إن مرقنا السر في حجاب *** و إن قعدنا أخوانك عجــــــــاب

مدت ايدها و قالت حبـــاب *** يا حباب اخـــــــوان الشبـــــاب
يا أم جواب قومي ناغمي الرباب *** و افتحيلم باب جوه باب
ادخلوها الدار يا عصاب *** حالية و الله ما فيــــــــــها صاب
ذكوا من المال النصاب *** كلكم بالغيـــــــــن النصــــــــــــاب
جونا جملة و كنا الغضاب *** خيرنا عم و بلغ الهضــــــــــاب
يا أم بنانا ذان الخضاب *** ناولى كاسك حلو الرضـــــــــــاب
جلسة كانت ما ليها باب *** شاملة جامعة النجبا اللبــــــــاب
لا مشاغب لا زول سباب *** حلوة و الله يحيد الذبـــــــــــــاب
حي صاحبك و اتلقي شاب *** المعتق في الروض شــــــــاب
شب لامن في دنه شاب *** نحن لسع لسع مجلسنا شـــــــاب
للبدورنا و يقصدنا حاب *** نحن نحن نعم الصحـــــــــــــــــاب
من زمان يا بنت السحاب *** نور محافل و زينة رحـــــــــاب






يتبع....










التوقيع
مرر الماوس


التعديل الأخير تم بواسطة ابو ريم ; 06-03-2009 الساعة 12:54 PM.
 
رد مع اقتباس
قديم 03-04-2009, 12:59 PM   #60
مخلص جدا لعروس النيل
 
الصورة الرمزية ابو ريم
 









ابو ريم غير متواجد حالياً
افتراضي رد: أصل حقيبة الفن (نفحات)

 

و

كانت فوز تتوسل بعينيها الساحرتين لخليل كي يغني، وعندما يقول الخليل "أعبدة ما ينسى مودتك القلب" لعمر بن أبي ربيعة، كانت عيناها تعلق بفمه دون أن ترمش وتبدأ بالطرق على الطربيزة بأناملها الطويلة الصافية كنوع من الإيقاع وكانت تدور عليهم بالخمر فيشرب من يشرب ويرفض من يرفض وكثيراً ما كان يعزف الخليل وتغني فوز بصوت يتجاوز الاذنين إلى الأفئدة مباشرة:


أعبدة ُ، ما ينسى مودتكِ القلبُ، *** ولا هو يسليهِ رخاءٌ ولا كربُ
وَلاَ قَوْلُ وَاشٍ كَاشِحٍ ذي عَدَاوَة ِ***ولا بعدُ دارٍ، إن نأيتِ ولا قرب
وَمَا ذَاكِ مِنْ نُعْمَى لَدَيْكِ أَصَابَها *** ولكنّ حباً ما يقاربه حبّ
فَإنْ تَقْبَلي يا عَبْدَ توبَة َ تَائِبٍ *** يتبْ، ثمّ لا يوجدْله أبداً ذنبُ
أَذِلُّ لَكُمْ يا عَبْدَ فيما هَوَيْتُمُ وَإنِّي *** اذا ما رَامَني غَيْرَكُمْ صَعْبُ
وأعذلُ نفسي في الهوى ، فتعوقني،***ويأصرني قلبٌ بكمْ كلفٌ صبّ
وَفي الصَّبْرِ عَمَّنْ لا يُؤاتيكَ رَاحَة ***ٌ ولكنه لا صبرَ عندي، ولا لبّ
وَعَبْدَة ُ بَيضاءُ المَحَاجِرِ طَفْلَة ٌ*** منعمة ٌ، تصبي الحليمَ، ولا تصبو
قطوفٌ من الحورِ الأوانسِ، في الضحى ،***متى تمشِ، قيسُ الباع من بهرها تربُ
وَلَستُ بِناسٍ يَومَ قالَت لِأَربَعٍ *** نَواعِمَ غُرٍّ كُلُّهُنَّ لَها تِربُ

ألا ليتَ شعري، فيمَ كان صدوده، *** أعلقَ أخرى ، أمْ عليّ به عتبُ؟



و
في إحدي هذه الجلسات يقول محي الدين جمال "ألا أسمعكم آخر ما قاله توفيق صالح جبريل؟" ثم يلتفت الي فوز و هي تخطر بينهم... "تمهلي فإن هذا الشعر استوحاه منك" فتنظر فوز إلي توفيق نظرة عرفان بالجميل وتقول "قولا أنت يامحي "ثم يقول محي الدين حاضر يافوز ثم ينشد:

و تدير الراح غانيــــــة *** حسنها كالبدر متسق
حليها نفس مهذبــــــــة *** و شباب ريق لبــــــق
فإذا ما أسفرت سبحت *** نحوها الأرواح تستبق
أو تغنت بيننا خشـــعت *** حولها الآذان و الحدق
و نجوم الليل ذاهلـــــة *** كجفون هدهـــــا الأرق

و من الادبيات التي تمت صياغتها في هذا المنتدى ما قاله خليل فرح (نقوش على قبر الخليل):


الشبه عديــــــــــم ... حلقه يا نديـــــم
من سُلاله طاهرة ... و ست نفل قديم
غير شك تسود ... العيون تســــــــود
مافي شئ مبدع ... خالي من حسود
العقود نهود ... و النهود شهــــــــــود
و الحكم الحاظك ... جودي اليــــــهود
و حينما نزح مكاوي يعقوب إلي ارض الكنانة افتقد تلك الجلسات فأرسل الرسائل و القائد التي تحمل الحنين و اللوعة و الشوق فيقول:
ديار الحمي هل لي إليك سبيــــــــــل *** فقد طاح بي بين وعز قفـــــــول
رحلت برغمي و الضرورة هكــــــذا *** تغالب غايات الفتي و تحـــــــول
تركت مغان اللهو و الأنس و الهوى *** فلم يبق لي شئ إليه أميـــــــــل
فإن انس لا انسي ليالي جرت بـــــها *** حوادث حب بيننا و فصــــــــول
ليالي تعاطينا المودة و الهوى *** كؤوسا يغنينا بهــــــــــــن (خليــــــــل)
فيا معهد الأحباب هل لي عــــــــــودة *** إليك؟ فإني بالفراق عليـــــــــل
أجدد حظي من هوي متقـــــــــــــــادم *** يكاد باسباب الفراق يــــــــزول
و انقع من أنفاس روضك غلـــــــــة *** فتخبو بقلبي لوعة و غليــــــــل
و يعتادني بعد الشقاء هنـــــــــــــاءة *** فاستام وجه الدهر و هو جميل
هبطت ربي النيلين آسيان باكيــــــــا *** و عهدي بها ملهي لنا و مقيــل
لئن راقني فيها مناخ و مـــــــــــنظر *** فما راق في عيني أخ و خليـــل
ارود بطرفي لا أري غير معجــــــــم *** بحالي، فكم قال علي و قيـــــل!
و لست غريبا فيهم غير إــــــــــــنني *** شقين و أخوان الشقاء قليـــل


مع اشتعال نار الاستياء الوطني من القهر الإنجليزي غنى خليل أغنية نحن ونحن الشرف الباذخ.. فسرت وسط الناس سريان الماء في الأرض البور، وأجمل من كان يغنيها معه هي فوز شخصياً.
ووصل خبر الاغنية وصاحبها الى (قلم المخابرات) الذي كانت عيونه منبثة في كل مكان تحصي كل شئ عدداً وكان يشرف على هذا الجهاز السري آنذاك بجانب الانجليز نخبة من السوريين تميزوا بالدهاء والطيبة على رأسهم (صموئل عطية).

وذات يوم تلقى الخليل امراً ان يذهب الى مقابلة السيد صمويل عطية واسرع يلبي الطلب وفي يوم المقابلة أوصت فوز خليل ألا يتحامق فالضابط أيضاً مغلوب على أمره وهل كان في مقدوره ان يتخلف؟ ولقى الرجل في مكتبه فتفرس فيه هنيهة ثم حياه وامره بالجلوس على مقعد بجواره فجلس وفاجأه قائلاً بغير مقدمات اريد ان اسمع منك اغنيتك المشهورة (نحن ونحن الشرف الباذخ).

قال هذا وهو يحدق في وجه خليل يحصي عليه كل خلجة او انتفاضة وادرك خليل بسرعة خاطفة حقيقة الموقف.. لقد بلغ امر الاغنية للرجل الاول في المخابرات وهو الآن يستجوبه ليتحقق مما سمع.
ولم يهتز الخليل ولم يضطرب بل اجاب في هدوء واطمئنان ان المكاتب يا سيدي لا تصلح للغناء ثم ان عودي ليس معي وقد تعودت الا اغني بدونه فان شئت ضربنا موعداً حيث تريد لاسمعك ما ترغب في سماعه من اغاني .

وذهل صمويل لهذه الاجابة التي لم يكن يقدرها واحس انه امام رجل عظيم وضربا موعداً وكان الموعد في دار صمويل عطية نفسه ومن هنا دعاني الخليل لاصطحابه ليغني في عرين الاسد.. ودخلنا الدار واستقبلنا الرجل استقبالاً حاراً كريماً وقد دعا بعض اصدقائه الشرقيين ليستمعوا معه لهذا الفنان السوداني وكان سخياً إذ حفلت المائدة بكل شهي ومستطاب من طعام وشراب.

و غنى خليل غناءً شجياً رائعاً وطرب القوم واستبدت بهم النشوة واستعادوه الاستماع الى شعر عمر بن ابي ربيعة (اعبده ما ينسى مودتك القلب) حتى اذا بلغت بهم النشوة الذروة اطمأن الخليل واصلح من عوده والتفت الى صمويل قائلاً هذه بغيتك وارتفع صوته قوياً اخاذاً وهو ينشد
نحن ونحن الشرف الباذخ
دابي الكر شباب النيـــــــل
قوم قوم كفاك يا نايـــــــــم
شوف شوف حداك يا لايم
مجدك ولي وشرفك ضـــل
إمتي تزيد زيادة النيــــــــل
نحن نطارد العنزة الفاردة
نحن نزود مشارع النيــــل
نحن برانا نحمي حمانـــــا
نحن نموت ويحيا النيـــــل
ما بنندس ما بنتــــــــوصي
نحن نكيل برانا نشيــــــــل
نحن الطينة ومطر العينـة
نحن الوادي برقه يشيـــل
نحن الصولة سيوف الدولة
نحن كنانة اسماعيـــــــــــل
بابه العالي وشرفه الغالي
كان لجدودنا ظله ظليـــــــل
يا حكامنا جيبوا البينــــــــه
ولا انقرعوا كفوا الشينــــه
ده ود عمي وده ضريب دمي
انت شنو طفيلي دخيـــــــــــل
يا نزلانا أمرقوا الذمــــــــــة
كيف ينطاق هوان الأمــــــة
شالوا حقوقنا وزردوا حلقونا
ديل عاوزين دمانا تسيـــــــــل
من تبينا قمــــــــــنا ربينـــــــا
ما اتفاسلنا قط في قليـــــــــــل
ما فيش تاني مصري سوداني
نحن الكل ولاد النيـــــــــــــــــل
يقول مرافقه " وانطلقت اقوم له بمهمة (الكورس) فقد اعداني بشجاعته وبل شاركني في مهمة الكورس بعض الضيوف الذين بدأ عليهم الاعجاب بما يسمعون".

وتفرقنا عند منتصف الليل وقد شد صمويل بكلتا يديه على يدي الخليل مثنياً ومعجباً.. ومات التحقيق عن مصدر الاغنية منذ تلك الليلة.. ولعل الرجل قد اعجب بالفنان الشجاع فضن به على الانجليز.


وبلغ الطرب بمدير الأمن مذهباً عظيماً فكان يقف ويجلس ويصفق وفي نهاية الليل ودع خليل وقفل ملف القضية. (30)

ز كثيرا ما ألح الحاضرين على فوز لتغني لهم أغنية الخليل "بلي جسمي" أخذت في الابتسام و أخذ الخليل يدندن بعوده و هي تغني:
بلي جسمي وفتك جفاك يا حبيبي أما كفـــاك
أيها الظبي في صفاك يا أخا البدر في صفاك
أنا راضي بحلم فاك أنا باقي علي وفـــــــاك
قل لي بالله ما خفاك قول وعلّم عتابي فــــاك
المعذب بنار جفاك هو قلبي الذي اصطفـــاك
بالذي بالذي براك و برا الغصـــــن و الأراك
لم خلفتني وراك أتري بعـــــــــــــــــد ذا أراك
شفّني شفّني هواك وكوي مهجتي نـــــــــواك
قل من ذا الذي غواك عن وصالي إذا سواك
أنت كالبدر في علاك وأنت كالروض في حلاك
أنت كالطفل في ولاك أنت للعالمين هــــــــلاك
و يأخذ الصورة توفيق صالح جبريل فينظم هذه القصيدة للخليل و فوز (30)

حرك بعودك هذه الأرواح *** و استرع الوجود
و اعطف عليه فإن في *** آفاقه معني الخــلود
************
بعثت بنظرتها سعاد *** (م) الحب في قلبي ذوي
و تجاهلت، فرأيت *** في أعماق عينيها الهوى
*************
سبح بعودك تسبح الأرواح *** تستمع النــــغم
و أعطف عليه فإن في *** أعماقه معنى القدم
******************
مالي أحاول صدها *** فتعود ذكراها إلي؟
و تلوح لي فأردها *** فتطل من قلبي علي
*****************
غرد بعودك هاهي *** الأشجار تنصت و المياه
و أعطف عليه فأن في *** أنفاسه معني الحياة
*****************
زدني غناء ... لا تنم *** و أرحم فؤادي المستهام
قد فاض من هذا النغم *** معني المحبة و السلام
و في جلسة احتفالا بعودة صديق جاء من سفر بعيد و هو أحد الخمسة الأوائل الذين انشئوا "جمعية الاتحاد" إبراهيم بدري و الذي أوشك أن ينتخب رئيسا للجمعية في تلك الليلة لولا انضمام عضو جديد للجمعية فيه صرامة و جد و هو السيد خلف الله الحاج خالد (وزير الحربية الأسبق) فتركت الجمعية على نهجها السابق. و توسط الجلسة إبراهيم بدري و حوله الأمين علي مدني و عبيد حاج الأمين و توفيق و محي الدين و سليمان كشة (30).

و لتعطير الجو بقدومه تذكرها الجميع ....هي بيضاء لعوب، يونانية المنبت، سودانية المنشأ، غريبة الهوى... طويلة ذات شعر اسود ناعم ....و فتنة طاغية و جمال فذ .. كان يراها الجميع من علي البعد و هي تخطر في دلال و غنج و زهو، لا تنظر إلي أحد و ينظر إليها كل أحد......

و رآها الخليل، شاعرنا المفتون بالجمال المأخوذ بسحره ... و يعود مرات ... و مرات كل يوم ليراها و معه جميع حضور دار فوز ..يرقبون طلوع البدر من الحي الإفرنجي بالخرطوم. حيث كان الخليل يمر به أثناء رحلته إلى دار فوز ....و في جلسة بدار فوز و لدت أغنية جديدة تصور هذه الفتنة الطاغية و الجمال الآسر... و استلم الخليل العود في دار عزة و أخذ يدندن و يغني (36):

بين جناين الشاطي وبيـن قصور الروم
حَـيِّ زهـرة روما و ابـكـي يا مغـــــروم
***************
دُرّه سـالبة عقولنا لَبَّـسـوها طـقـــــــوم
ملكة باسطة قلوبنا تـبيت عليها تقــــــوم
في الطـريق ان مـرّت بالـخـلوق مزحوم
كـالـهـلال الهّل النـاس عليها تحـــــــــوم
شوف عناقد ديسها تقول عنب في كروم
شوف وريدا المـاثل زي زجـاجــــة روم
الـقـوام الـلادن والحـشا المـــــــــــبروم
و الصـدير الطامح زي خـليج الـــــــروم
خـلي جات متبوعة الصـافـية كالدينــــار
في القـوام مربوعة شوفا عالية منــــار
موضة آخر موضة هـيفـا غير زنــــــــار
روضة داخل روضة غـنـي فيها كنـــــــار
شوف جـبـيـنا الهـلَّ ضـوّا فوقه فـنـــــــار
مِنُّـو هَلَّ الشارع مِـنُّـو بَـقَّ ونـــــــــــــــار
طـالعـة ما بتتقابل زي لـهيـب النــــــــــــار
تحـرق البِـتْـهابَل والـبـعيد في نـــــــــــــــار
تابع.....










التوقيع
مرر الماوس


التعديل الأخير تم بواسطة ابو ريم ; 06-03-2009 الساعة 12:15 PM.
 
رد مع اقتباس
قديم 03-04-2009, 01:06 PM   #61
مخلص جدا لعروس النيل
 
الصورة الرمزية ابو ريم
 









ابو ريم غير متواجد حالياً
افتراضي رد: أصل حقيبة الفن (نفحات)

 

.. ولقد شقيت الفتاة بسبب هذه الأغنية، حيث كانت إذا سارت في الطريق وجدت الناس يصطفون لرؤيتها وينادونها بقولهم وين يا زهرة روما؟ (الصحافة-العدد 5297).

و يدندن الخليل مرة أخري بأغنية جديدة لفتاة رآها في حلبة الرقص بأحدي بيوت الحفلات و هي تنضو الثوب عن راسها وتلقي بجيدها الي الوراء و برز صدرها في وضع فاتن و هي تتحرك بهدوء و تأني باتجاه المغنيين، فافتتن الخليل بها و ظل يتردد علي منزل العرس اياما و اياما و هو يراها (العرس كان يستمر لاسابيع قديما) و عندما انتهي العرس اختفت الفتاة و لم يعد يراها. في ذلك اليوم أخذ الخليل يغني لهذه الفتاة و كان يدندن بها قبل ايام ...(30)

ميل وعرض كتـر أمراضى
بهـواكم والهـوان راضـى
جن ليلى وهاجت أعـراضى
سَحَّ دمعى وطـاشت أغـراضى
هذا بعض البى عدا أمراضى
وإنت دارى وغاضى ماك راضى
لسّه تـايه فى الدلال ماضى
هل تنـاسيت عهدنـا المــاضى
فى صحيفة قلبى كم ماضى
ماضـى خـاتم لحظـك الماضى
بالي جسمى ومن زمان قاضى
ها هـو حبــك بين أنقــاضى
هدى روعك أوع لا تقاضى
ما بشـارعك ما بكـوس قــاضى
المضلل رشدى يـا هـادى
والمكتِّـر فى الغضا سهــادى
الجبين الفى الظلام هــادى
والقـــوام السيــده متهــادى
يا حبيبـى فيــم تهديدك
طول عذابى وهجــرى ما بفيدك
روحى فى ايديك وحاة ريدك
امتى ضـاعت يا سـلامة أيـدك


الخليل يودع دار فوز:
فوجئ رواد دار عزة ذات يوم بان الخليل اصيب بذات الرئة .. و تلقي الخليل النبا في شجاعة فائقة و أعد العدة للسفر الي مصر لعلاج. وكان هو المرض الذى أودي بحياته.

و في دار فوز اقام له اصدقاؤه ليلة وداع، و كان وداعا باكيا. و في نهاية الليل امسك بعوده و نظر الي الجميع نظرة حانية ثم قال: الا أسمعكم أغنية الوداع؟ لقد بدأت أنظم بعض ابياتها و لعلي أتمها في القاهرة(30) و أخذ يدندن كعادته مع نغمات العود و يقول(36):

ماهو عارف قدمو المفارق
يا محط آمالي السلام
في سموم الصيف لاح له بارق
لم يزل يرتاد المشارق
كان مع الأحباب نجمه شارق
مالو والأفلاك في الظلام
يا دهر أهوالك تسارق
منا كم ... كم شابت مفارق
ما علينا ... الفات كلو فارق
رُقنا وله نعيد الملام
من حطامك أنا غصني وارق
في شن أبقيت للطوارق
غير قليباً في همومه غارق
ولساناً برده الكلام
ويح قلبي الما إنفك خافق
فارق أم درمان باكي شافق
يا أم قبايل ما فيك منافق
سقي أرضك صوب الغمام
يا بلادي كم فيك حاذق
غير إلهك ما أم رازق
من شعارو دخول المأزق
يتفاني وشرفك تمام
مسرح الغزلان في الحدايق
والشوارع الغُر والمضايق
قولي كيف أمسيت دمت رايق
دام بهاك مشمول بالنظام
مجلس اللذات في النمارق
والترف لا زال وصفه خارق
ضاري حسك فاح جانا مارق
وله قاطعوا الريح ما هو لام
في يمين النيل حيث سابق
كنا فوق أعراف السوابق
الضريح الفاح طيبو عابق
السلام يا المهدي الإمام
أين مني الودعته شاهق
باكي ناهد لسه مراهق
عيني ما بتشوف الا شاهق
أين وجه البدر التمام
أين مني الفي زهوه باسق
في شبابه نقي من مفاسق
بين ثيابه البيض المناسق
حولك أشبه رتل الحمام
يا بريد الجو فوقي حالق
ميل عليّ الروح ليها خالق
عدت سالم قول وأنت عالق
مقرن النيلين كيلو كام
الحبايب لفتو الخلايق
بيني وبينهم قطعوا العلايق
إن دلال إن تيه كلو لايق
نحن ... ما مجينا الخصام

ثم يلتفت الي فوز و الي الرفاق و يغني:
يا جميل يا نور الشقايق
أملأ كأسك وأصبر دقايق
مجلسك مفهوم شوفه رايق
عقده ناقص زول ولا تام
من فتيح للخور للمغالق
من علايل أب روف للمزالق
قدله يا مولاي حافي حالق
بالطريق الشاقه الترام
ما يئسنا الخير عوده سايق
الحي يعود إن أتى دونه عايق
إلي يوم اللقا وأنت رايق
السلام يا وطني السلام

حين ذهب الي القاهرة الي العلاج سجل علي الاسطوانات اغنيتين فقط "اعبدة ما ينسي مودتك القلب " و "عزة". و يعود الخليل الي السودان و قد تمكن منه المرض حتي توفي في مستشفي النهر بالخرطوم عام 1932 (30) (انظر ترجمة الخليل).

وفاة فوز:
يسجل التأريخ نهاية دراماتيكية و غامضة لفوز "مبروكة" شانها شان حياتها ... فقد سكنت رصاصة من طبنجة زوجها في داخل صدرها و أُخري من يد الزوج إلي صدره.. و يسدل ستار على قصة فوز و مقتلها و انتحار زوجها و يدفن السر معهما إلي الأبد (26). دفنت بمقابر حمد النيل بأمدرمان.










التوقيع
مرر الماوس


التعديل الأخير تم بواسطة ابو ريم ; 06-03-2009 الساعة 11:36 AM.
 
رد مع اقتباس
قديم 03-04-2009, 01:09 PM   #62
مخلص جدا لعروس النيل
 
الصورة الرمزية ابو ريم
 









ابو ريم غير متواجد حالياً
افتراضي رد: أصل حقيبة الفن (نفحات)

 

بادى محمـــــد الطيب






32 اغنية على هذا الرابط

http://alshimalya.com/vb/showthread.php?t=1069

معلومات مهمة عن بادى على هذا الرابط

http://www.wadmadani.com/html/try/nash149.htm


و على هذا الرابط ايضا:

http://www.elhalaween.net/badiplanet.htm

لقاء فى جريدة الراى العام مارس 2005

http://www.halaween.net/badi.html


ثانيا:
إسمه الحقيقي أحمد المصطفى ويلقب منذ صغره ببادى ، ولد عام 1935 بحلة عباس والتي تتبع حالياً لمحلية الكاملين ، درس بالخلوة في صباه وحفظ القرآن الكريم ( ثلاثة عودات ) وتلقى دراسة القرآن على يد جده لأمه الفكي محمد عبدالله وأكمله مع الفكي محمد مصطفى الحلاوي وكان التعليم آنذاك يركز على الخلوة وبدأ جمال صوته ونداوته يظهر في تلك في الفترة بصورة جذبت اليه الأنظار وكان محمد أحمد شقيق بادى فناناً معروفاً في حلة عباس والقرى المجاورة وكان يغني مع كمال الدين الطيب وسعد سعيد بلال كثلاثي وكان بادى أنذاك يدرس بالخلوة ( ويشيل ) معهم
ثم ما لبث بادى أن استقل بنفسه فاصبح فناناً معروفاً على نطاق قرى الحلاوين والقرى المجاورة . ويقول بادى انه قد وجد تشجيعاً على الغناء من والده فقد كانت تأتي في اليوم الواحد ثلاث عربات من القرى المجاورة الى حلة عباس طلباً لبادى فى ان يغني لهم.يقول بادى إن والدى كان يبحث عنى ويطلب منى أن أذهب معهم وأشاركهم أفراحهم, وفي بداياتي الفنية كنت أردد أغنيات من سبقوني. أمثال محمد وردي – إبراهيم عوض – حسن عطيه و عثمان الشفيع إضافة الى ذلك كنت أردد الأغاني السائدة بالمنطقة وهي مزيج من الأغاني الشعبية وأغاني الحقيبة السفر الى الخرطوم
لم يكن بادى عندما جاء الى الخرطوم يضع في مخيلته الإنطلاقة الواسعة في عالم الغناء والطرب ولكنه جاء مثل ما يأتي أهل القري الى الخرطوم يبحثون عن فرصة عمل بخلاف الزراعة التى هي الحرفة الرئيسية فى المنطقة, وعمل بادى في عدة مهن قبل أن يستقر به المقام في جامعة الخرطوم حيث عمل فى إحدى كافتيريات الجامعة وكان مدير الجامعة في ذلك الوقت العلامة الراحل البروفيسور عبدالله الطيب وأبرز الفنانين الذين عاصرهم بادى فى تلك الفترة عوض شمبات ، الكابلي وحمد الريح الذي كان يعمل بجامعة الخرطوم وكان بادي يدندن فى أثناء ساعات العمل الشئ الذي استرعى إنتباه الطلبة فأخذوا يلحون عليه في المشاركه عبر المنتديات فاستجاب لرغبتهم وكانت هذه نقطة تحول بالنسبة له..
قصته مع قائد الاسطول
يقول بادى أنه قد غنى أغنية قائد الاسطول بالكبريته عام 1961 عبر برنامج أشكال وألوان الذى كان يقدمه للإذاعة أحمد الزبير وكانت أغنية قائد الاسطول من الأغنيات التى يمتحن بها الفنانون الذين يغنون بالاذاعة لأول مرة وقد أدى بادى الأغنيه بصوره جميله وملفته للأنتباه فظنه الناس كرومه.يقول بادى إن مما عمق صلاته بالأغنية المسابقة التى نظمها أحد محررى مجلة هنا أمدرمان ورصد لها جا ئزة عبارة عن راديو ولم يكن بادى ضمن الفنانين المتسابقين على المسرح الذين كان من ضمنهم أبوداؤود ،عبيد الطيب ، وصلاح مصطفى وكان بادى متفرجاً فوجد نفسه مندفعاً لطلب المشاركة فصفق الجمهور طويلاً لادائه الرائع وحقق المركز الاول. وكان الاستاذ محمد خير مدير المسرح آنذاك وفوارى مدير الإذاعة وطلعت فريد وزير الاعلام . وأغنية قائد الاسطول من الأغاني السياسية ذات الدلالة الرمزية والتى تتحدث عن المستعمر وبها كلمات قوية ولحن رائع وهى من الأغنيات المحببه الى بادى والتى يجد متعه كبيره فى في ترديدها في كافة المحافل والمنتديات
بدايته مع الحقيبة
يقول بادى إن علاقته بأغنية الحقيبة بدأت مع بداياته الفنية في مطلع الستينات حيث كانت مجلة الاذاعة والتلفزيوتنشر الأغاني وتحديداً أغانى الحقيبه وامتاز ذلك النشر بجودة التوثيق ونسبة الأغانى لشعرائها ولذلك لم يجد بادى مشقةً في الحصول على نصوص الأغاني. و أخذ يحفظ ما تننشره المجلة واعتمد في معرفة الالحان على الإذاعة والتلفزيون . وفي ذلك الوقت من الزمان كانت مجموعة من الفنانين تقوم برحلات فنية تجوب خلالها مدن وأرياف السودان فشارك أبوداؤود وسيد خليفة رحلاتهم وغنى معهم. وغنى بادى أغنيات من سبقه من فناني الحقيبة فكان أن غنى لكرومه وسرور وعبدالله الماحي والأمين برهان وعاصر جميع فناني الحقيبة ماعدا مصطفى بطران وخليل فرح وعاصر كل شعراء الحقيبة ما عدا العمرابي وخليل فرح
انهم يفترون على الحقيبة
يعتقد بادى أن أغلب الذين يهاجمون أغنية الحقيبة انما يفعلون ذلك عن جهل تام بما تحتويه هذه الاغنية التى عبرت بصدق وشفافية عن مجتمعها . ثم امتد أثرها الي يومنا هذا حيث لا زالت مرغوبه ومطلوبه من قبل كافة الفئات العمرية ولنستمع لود الرضى وهو يناجي زوجته بأعذب الالحان والأشعار؛ فريدة براها ترتاح روحي كل ما اطراها ست البيت فالمرأة في أشعار الحقيبة ليست كما حاول البعض أن يشيع جسداً لا مكان للقيم الروحية فيه وإنما هناك القيم الإنسانية والعفاف؛ ما قصدي فيك لسان قصدي بس شوفتك صدقني يا انسان لذلك استطاعت أغنية الحقيبة أن تحافظ على تجددها ومواكبتها فهي كانت ولا تزال المرجعية الأساسية للذوق السوداني
من أغاني بادى
تغني بادي بالعديد من أغاني الحقيبة المعروفه في ذلك الزمان وقام بتلحين الكثير من الأغاني نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أغنية، الواعي ما بوصو، وهي من كلمات بت مسيمس وتتحدث هذه الأغنيه عن عبد القادر ودحبوبه بطل ثورة 1908 بمنطقة الحلاوين بالجزيره وكذلك لحن بادي أغنية ’المقدر لا بد يكون، الخدير ، فتاة اليوم ، دابى البركة ، مناى الجدية ، الليلة هوى ياليل ، العديل والزين ، وغيرها من الأغنيات وهناك أغنيات كثيره كان يمكن أن تضيع وتنسى لولا المجهودات التى بذلها بادى في سبيل حفظها مثل – مسونوركم – ومن الأغنيات التى عرف بادى بترديدها؛ ’إنت حكمة، وهي من كلمات محمد على عبدالله الأمى وألحان كرومه ، ليلتنا ليلية وهي من كلمات سيد عبدالعزيز وألحان زنقار ، قمربين الأزهار’ وهي أغنية تراث ، قمر العشاء، وهي أغنية تراث ايضاً، السمحة أم عجن، وهي من كلمات سيد عبدالعزيز وألحان كرومه. ومن أغنيات بادي أيضاً، يا مدلل، بكا الخنساء ، أذكريني ياحمامة ، في الفؤاد ترعاه العناية ، صباح النور ، الفى دلالو ، يا سمير ، سيد الروح ، كما غنى بادى أغنية، الهجروك على؛ وهى من كلمات وألحان عبدالحميد يوسف وغنى بادى أيضاً أغنية ،بتريد اللطام، و تمثل الأغنية قيلت فى رثاء عبدالقادر إمام ودحبوبة. والأغنية من كلمات رقية شقيقة البطل عبدالقادر إمام ود حبوبة
بادى وإقتحام استديوهات الإذاعة بسبب اغنية
مبدياً غيرته على الحقيبة روى لنا الفنان بادى محمد الطيب قصة إقتحامه لاستديوهات الإذاعة بسبب أغنية فقال تعود تفاصيل تلك الواقعة عندما كنت بالمنزل في العباسية استمع لبرنامج استديو النجوم وكان مقدم البرنامج الأستاذ صلاح طه واستضاف خلال البرنامج أحد فناني سنار والذي تغنى بأغنية : يا حبيبى هل تدري أنا صاحي طول الليل أتأمل البدر واذكر جمال محياك ،، وكان اللحن مختلفاً تماماً عن لحن الأغنية فما كان مني إلا ان ارتديت ثيابي على عجل واستأجرت عربة تاكسى وتوجهت مباشرةً الى الإذاعة واقتحمت الاستديو على الهواء مباشرةً وسألت الفنان الذي أدي الأغنية عن المصدر الذى أتى منه بهذا اللحن فاخبرني به, فتوجهت الى الفرقة وطالبت بمصاحبتي على العزف وأديت الأغنية بلحنها الصحيح . ويرى الأستاذ بادى أن المصنفات الأدبية والفنية لها دور كبير في هذه المسألة فهى مطالبه بضبط وتحقيق النصوص منعاً لتحريفها. ويقول بادى سبق وأن طلبت منهم إدخالى فى إحدى لجانهم لا لشئ سوى المحافظة على التراث ولكن هذه الدعوة ذهبت أدراج الرياح ولم تجد الآذان الصاغية وطلب بادى من شركات الإنتاج الفني في حالة تسجيلها لإغنيات الحقيبة أن ترجع اليه أو الى الأستاذ على مصطفى الذى يعتبر أكثر الناس حفظاً وتجويداً لاغنية الحقيبة
بادى يبكي ويغني
الذين يستمعون لبادى يرون كيف يكون متفاعلاً مع الأغنية التى يرددها ويستمعون اليه وهو يصرخ بأعلى صوته مردداً ( يا سلام) وفي أوقات كثيره عندما يكون في منزله بالعباسية يغنى ويبكي ويعزي السبب في ذلك الى خوفه من ضياع مثل هذا التراث الخالد دون أن يجد من ينقله على الوجه الأمثل
مقدرته على الحفظ والاستدعاء
ميزتان يمتلكهما صداح الحقيبة بادى محمد الطيب, هما الحفظ التام لكلمات وألحان وتواريخ ومناسبات أغنيات الحقيبة بالإضافة للقدرة الهائلة على الاستدعاء متى أراد ذلك فهو يمكن أن يغنى في أى وقت أى أغنيه تطلب منه ويقول إن الفضل في ذلك يعود الى حفظه المبكر للقرآن الذي نقى ذاكرته وجعلها لها هذه المقدرة الإلتقاطية
التواصل مع حلة عباس

في جميع المناسبات أفراحًا كانت أم أتراحاً يجد أهل قرية حلة عباس بادى حضورا باذحاً لا يغيب يشاركهم في كل ذلك باحساس إبن القرية البار وفى الأعراس ينطلق صوت كروان الحقيبة يمتع الأهل ويحمل اليهم نكهةالزمن الجميل فيطربون ويعلمون أن هذا الرجل مسكون بكل هذا الوله والعشق فيتذكرون اللقب الذي أطلقه عليه الأستاذ حسين خوجلي حيث سماه الصوفي المعذب
كلمات على لسان بادي
الخرطوم عاصمة الثقافة العربية منذ عهد ود الرضي وارجعوا لاشعاره للتأكد من ذلك
عاصرت كل شعراء الحقيبة ما عدا العمرابي وخليل فرح وأحفظ من الأغنيات مالا يعرفه غيري
غنيت لصالح تشييد العديد من المدارس وطفت من أجل ذلك بجميع الولايات وكنا نغني في المسارح ودور السينما
خارجياً غنيت في العراق وليبيا وسلطنة عمان ودول عربيه أخرى كما غنيت في معهد العالم العربي بباريس في الثامن والعشرين من فبراير 1997
أغنية الحقيبة تعتبر قمة في الأدب السوداني ومن ناحية المعاني هي مثال للأغنية الجامعة المانعة
أحرص على تلبية الدعوات التى تصلني من مختلف المنتديات وأشارك فيها بانتظام
عوض بابكر صاحب مجهودات كبيرة في حفظ أغنية الحقيبة وتكريمه واجب وطني
موقع الحلاوين على الانترنت إضاءة مشرقة ومجهود جبار يعكس عزم وتصميم أبناء منطقة الحلاوين على إبراز ثقافتهم وفنهم للغير ليكونوا مثالاً يحتذى و أتمنى التوفيق للموقع في أداء رسالته المنشودة
ويستمر الألق
تعاقب الليالي والأيام سلبا كروان الحقيبة وبلبلها الشادي بادى محمد الطيب الكثير من ألق الشباب وأذهبا عنه رونقه وبهاءه لكنهما لم ينجحا بأى حال من الأحوال في الوصول الى روحه المتوثبه التى ما زالت تمتلئ دفئاً وألقاً وصوته الشجي الذي يبعث في النفس ذلك الشعور المفعم بالإرتياح العميق وهو شعور ينطلق فورإنطلاقته في ترديد إحدى روائع الحقيبة الدعوات الصالحات من موقع الحلاوين على الانترنت لهذا المبدع الباذخ بالصحة والعافية وهو يحمل في جوفه هذا الإرث التليد والموروث العامر بمعاني الخير والحق والفضيلة ..
وفاته
توفي في امدرمان 14/2/2007م. عن عمر يناهز السبعين عاما بعد معاناة شديدة مع المرض .نقل جثمانه في موكب حزين الي مسقط رأسه (حله عباس) في الجزيرة جنوب الخرطوم ،حيث شيع الي مثواه.
ونعت رئاسة جمهورية السودان الفنان بادي محمد الطيب ،وقالت في بيان (اذتحسبه انما تحتسب فنانا مبدعا وقيثارة صدحت بالعديد من الاناشيد الوطنية الخالدة وروائع الكلمة السودانية واضفت للتراث الغنائي السوداني بعدا ونكهة مميزة)

صورة لقاء (أذاعي) مع الفنان في مستشفي أم درمان

http://www.alwatansudan.com/topicimg.php










التوقيع
مرر الماوس


التعديل الأخير تم بواسطة ابو ريم ; 06-03-2009 الساعة 11:28 AM.
 
رد مع اقتباس
قديم 03-04-2009, 01:14 PM   #63
مخلص جدا لعروس النيل
 
الصورة الرمزية ابو ريم
 









ابو ريم غير متواجد حالياً
افتراضي رد: أصل حقيبة الفن (نفحات)

 

زنقــــــــــــــــــــــــــــار

اولا:

17 اغنية صوتية لزنقار (يمكنك التحميل.يجب التسحيل اولا)

http://www.sudanese.net/index.php?showforum=1192

و فى هذا الرابط 12 اغنية لزنقار

http://www.alrakoba.com/vb/f335/

ثانيا:
اول لقائي بالفنان زنقار و هو حقيقة ليس بالفنان زنقار صاحب الاسم و إنما من يقلده و كان اسمه زنقار الصغير و كان ذلك في أوائل السبعينات، رأيته في حفلة زواج بالدويم و كان صوته جميلا يشبه صوت النساء. كان يغني جالسا أمام جوقته و لا يفتأ يجلس معتدلا فهو يتمرجح ذات اليمين و ذات الشمال في كرسيه طوال الحفل و يحمل في يده رقا، و قيل لنا هكذا كان يغني فضل المولي زنقار.
حياته:
لم أتوفق في الحصول على أي معلومات عن بدايات الفنان زنقار أو مراحله الدراسية، حيث لم يكتب عن هذا الفنان الموهبة أي من الكتّاب، كما لم يولوه كثيرا من اهتماماتهم في كتاباتهم عن فترة حقيبة الفن حتى يخصصوا له باب لوحده كما يفعلون مع الآخرين، كل ما استطعت الحصول عليه هو أن فضل المولي زنقار هو خال محمود الأخ غير الشقيق لوزير الخارجية الأول مبارك زروق. أتمنى أن يتفضل علينا من بيده أي معلومات عن هذا الفنان الفذ بإرسالها مشكورا إلي عنواني الالكتروني في مقدمة هذا البوست.
بداياته الفنية:
كان لمطربات التم تم نشاط مكثف إلى درجة اتخاذهن مساعدين من الذكور. تعلم زنقار الغناء علي يد فنانة التم تم المشهورة "رابحه التم تم" فخلقت منه فنانا مشهورا ذائع الصيت. و لقد اشتهر زنقار كمساعد لها يحاكي صوتها النسائي وأعطته أغانيها و ألحانها حتى يقوم بتسجيلها في اسطوانات في مصر بمساعدة صديقه أحمد الذي عرف بدمتري البازار. كما تركت هذه المرأة المغنية تأثيراً كبيراً في الفنان الرائد التاج مصطفى.
رابحه التم تم رفضت أن تسجل اسطوانة لأنها معتده بنفسها و قالت " أنا ما بسجل اسطوانة عشان كل صعلوك يجي القهوة يشنق طاقيته و يطلب شاي بتعريفه و يقول شغلوا لي رابحه". أغاني رابحه تنازلت عنها لفضل المولى زنقار و علمته الغناء و الإيقاع. (شوقي بدري)
اشتهر زنقار بكسرته الشهيرة (الله فوق زوزو).. و التي شهرها فيما بعد الفنان خضر بشير. و قصتها انه عندما كان زنقار في القاهرة استضافتهم الممثلة "زوزو ماضي" بكل سلطان نجوميتها في صالونها مع مجموعة من الفنانين و كان زنقار يغني فلما قامت زوزو ترقص اخذ يصايح الله فوق زوزو يا حلاة زوزو وهي طربانة وزنقار يغرد. (حسام الدين ميرغني
فضل المولي زنفار هو أول من أطلق عليه لقب المطرب بالسودان.
تعدد مواهبه:
الفنان فضل المولى زنقار ذو مواهب متعددة فهو يعتبر بمقاييس عدة عبقريا فقد كان مغنيا و ملحنا و منشدا و ممثلا مسرحيا و ذو خطا جميلا و كان ذا ثقافة واسعة و حضور و حركة لا تهدأ أثناء الغناء كما كان لاعبا مشهورا لكرة القدم مثله مثل الفنان القامة كرومة. وكان بحق فنان والمستمع إلى أغانيه يجد في اختياره للأغاني وتلحينه لها تعامل فنان غنى العاطفة والوطنية ولحن لشعراء من خارج السودان مثل أغنية "عروس الروض" للشاعر اللبناني الياس فرحات وغناءه في افتتاح بعض المسرحيات في ذلك الوقت وله ألحان رائعة ما زالت تطرب بجمالها وروعتها.
و يقول الجقر (15) عن أغنية "عروس الروض" للشاعر اللبناني الياس فرحات "تغنى بها زنقار كما سجلها أيضا صاحب الحنجرة الذهبية الراحل أبو داوود. و عندما تسمع البلبل زنقار و هو يتغنى بهذه القصيدة قد تظن إنها من كلمات سيد عبد العزيز أو عبيد هذا لما أدخل عليها زنقار من الروح و الطابع و الرواية السودانية أما أبو داوود فقد أقتفي نفس رواية زنقار مع فارق الحنجرة و الأداء و قد تم تسجيلها بواسطة صوت زنقار الغليظ الذي أفرده لمثل هذه الأغان
و لم يسجل به تم تم.
لم اتأكد بعد من لحنها لكن أظنها من ألحان الفنان الرائع فضل المولي زنقار وهو يؤديها بصوت القرار في التسجيل الموجود في الاذاعه علي عكس الصوت الشائع في التصور الادراكي لي زنقار اي الصوت المستلف واعتقد انها لحنت بمناسبة زيارة الممثله المصريه (فاتن حمامه) الي السودان تعبيرا عن كرم الضيافه والترحيب و في نفس المناسبة ألف الشاعر عبدالرحمن الريح قصيدته التى قيلت فى زياره فاتن حمامه و هى
يا حمامه مع السلامه ظللت جوك الغمامه
الجمال يا حمامه فاتن فيه الوان من المفاتن
كما للشاعر محمد بشير عتيق بنفس المناسبه
أذكرينى ياحمامه كلما ساجع ترنم بىهواى وحب جمالك
يا عروس الروض
كلمات الشاعر اللبناني الياس فرحات
ألحان فضل المولي زنقار
أداء زنقار و ابو داوود
يا عروس الروض يا ذات الجناح ياحمامــه
سافري مصحوبة عند الصباح بالسلامــــــه
واذكري شوق محب ذا جراح وهيامــــــــــه
يا عروس الروض يا ذات الجناح يا حمامه
سافري من قبل ان يشتد الهجير بالنزوحي
واسبحي ما بين امواج الأثير مثل روحــــي
وأذا لاح لك الروض النضير فاستريحــــــــي
يا عروس الروض ياذات الجناح يا حمامــه
رفرفي في روضه الافق الجميل وتغــــــــــــــني
وانشدي محبوبكي عند الاصيل و تـــــــــــأني
فهي ان تسألك عن الصب العليل فهو عني
يا عروس الروض يا ذات الجناح يا حمامـــه
خبريها ان قلب المستهام ذاب وجـــــــــــــــدا
واسئليها كيف ذياك الغرام صار صــــــــــــــدا
فغرامي لم يعد فيها غرام قـــــــــــد تعــــــــــــدا
يا عروس الروض ياذات الجناح يا حمامــــــه
ذكريها في إويقات اللقاء والتــــــــــــــــصابي
يوم كنا كل صبح ومساء في اقترابـــــــــي
حل بتذكار لي بعض الشفاء من عذابــي
يا عروس الروض يا ذات الجناح يا حمامه
فإذا ابدت صدود او جفا واعتسافا
فاتركيها انها في ذا الوجود ستكافــــا
حين يأتيها زمان فتريد فتجافــــــــــا
يا عروس الروض يا ذات الجناح يا حمامه
وإذا ما اظهرت عطفا ولينا واشتياقا
فاجعلي ما بيننا عهدا وثيقا واتفاقـــــا
واخبريني رأيها اين يكون ان تلاقــــا
يا عروس الروض يا ذات الجناح يا حمامه
زنقار و التم تم
فضل المولى زنقار أثر في فن التم تم أكثر من ما تأثر به فقد كان له دور مهم في تنقية التم تم الهابط. في هذا المعنى يقول الجقر (15) "إن فضل المولى زنقار – بلبل السودان وصاحب الفن المتفرد ، قد انتشل أغاني التم تم من القعدات الخاصة والجماعات المشبوهة إلى ساحة الطرب بل والإبداع في كثير من ألحانه التي وضعها بأكثر من صوت."
كادت أغنية التم تم أن تعصف بأغنية الحقيبة و تصرف الناس عنها لولا يقظة الشعراء و غيرتهم على الأغنية فانبرى نفر منهم و نظموا قصائد على وزن التم تم و أودعوا تلك القصائد الفنان زنقار لمعرفته بالحان التم تم و رخامة صوته و كانت من القصائد التي نظمت على هذا النسق " أنا راسم في قلبي صورة الباسم، سوداني الجوه وجداني بريده ،حبيبي غاب في موضع الجمال بلاقيه، الإنسان الرايق النعسان و سميري المرسوم في ضميري) و الشعراء هم سيد عبد العزيز و عبد القادر تلودى و احمد إبراهيم فلاح و عبيدعبد الرحمن و عبد الرحمن الريح و الجاغريو. و جاءت من بعد زنقار رائدة التمتم فاطمة خميس و رابحة و أم الحسن الشايقية بعدها عادت أغنية الحقيبة إلى مكانها الطبيعي.
يقول د. احمد طراوة: زحف التم تم نحو الوسط النيلي كان أشبه بزحف الجيوش المغربية يوم أزمة الصحراء تلك !
كان زحفا مجيدا استدعته لحظة الأزمة الرابعة في الغناء السوداني !
... الأزمة اللي اقتضت تضافر جهود عبد الرحمن الريح و سيد عبد العزيز و كرومه في تناسق تام مع ذلك الجهد و تلك المواجهة الصريحة مع مقومات ذات الأزمة ، المواجهة اللي كان يخوضها فلتة زمانه فضل المولى زنقار بدعم وتوجيه الرجل ذو البصيرة و الحس الفني - التاريخي عبد القادر تلودى !
محور تلودى - زنقار كان يركز علي تحويل و إعادة توجيه كافة النشاط الفني - الطليعى بتاع فاطمة خميس و رابحة التم تم و أبو حراز المسلح بدلوكتو الفريدة ، في وجهة جديدة سميت بالتمتم الراقى !
محور عبد الرحمن ، عتيق ، كرومه و سيد عبد العزيز ، دا المحور الليوقعت فيهو واقعة ( الترافيلغر ) أو الطرف الأغر السوداني !....دا المحور اللي حصلفيهو انقلاب السحر علي الساحر !. أنتهي
يعتبر زنقار بغنائه التم تم المنضبط قد انتشل فن التم تم من الحضيض و من فن مبتذل إلى القمة و إلى فن هادف و شعر راقي منظوم و قافية و كلمات محكمة.
صوته:
يعتبر صوت زنقار من الأصوات الفريدة التي قل ما يجود الزمان بمثلها يقول الجقر (15) "و ضع زنقار ألحانه بأكثر من صوت وعندما نقول بأكثر من صوت لا نبالغ فهذه حقيقة يعرفها الكثيرون الذين يعرفون زنقار ويسمعونه جيدا ، فهناك الصوت الغليظ الذي سجل به زنقار"حبيبي حبيبي" ولعلها من الأغاني التي نظمت بشعر فصيح إن لم تكن هجينا من القومي و الفصيح، ثم غنى بصوته الوسط الذي سجل به ( يا شباب النيل) وقد أبدع فيها. وصدح زنقار برائعته ( سوداني) بصوته الرقيق الذي سحر به إخواننا المصريين عندما سمعوه لأول مرة. بل كانت إذاعة ركن السودان من القاهرة عندما تذاع أغنية لفضل المولي زنقار يطلقون عليه "المطربة زنقار"".
ويرى الدكتور عمر قدور أن ما جعل زنقار يغني بهذا الصوت هو اختياره من قبل الشاعر سيد عبد العزيز للمشاركة في دور نسائي في إحدى مسرحياته الشعرية وذلك لتعذر مشاركة صوت نسائي في ذلك الوقت ولما عرف به زنقار من قدرة على تقليب صوته .
عندما سأل المطرب عبد العزيز محمد داوود عن أول عهده بأغاني الحقيبة فقال" كنت محولجي بالسكة الحديد، في محطة الهودي، سمعت أن الفنان زنقار ستكون له حفلة غنائية في بربر، أخذت أذنا من ناظر المحطة و مشيت كداري من الهودي إلي عطبرة حوالي 32 كلم، و من عطبرة إلي بربر. كان ذلك في شهر نوفمبر 1938. التذكرة كانت للحفلة بعشرة قروش. دخلت الحفلة و غني زنقار ثلاث أغنيات لا تزال في ذاكرتي "لي زمان بنادي" و "حبيبي غاب في موضع الجمال بلاقي" و "آلفنى في البرهة القليلة". بعد الحفلة قلت للفنان زنقار أنا معجب جدا بأغانيك فهل ممكن أكتبها؟ و قام مشكورا بكتابة الأغاني، و كان خطه جميلا. رجعت للهودي سعيدا و ظللت أردد هذه الأغاني". (16)
صفاته:
يتفق كل من دكتور عمر قدور والناقد ميرغني البكري على أن زنقار كان إنسانا في غاية الأدب و التهذيب ويحظى باحترام الجميع وانه كما يضيف قدور كان حافظا للقرآن ، ويضيف البكري انه كان يخاطب بلقب أستاذ في كل مكان يذهب إليه وكان يلعب بنادي الهلال وكان الجميع يقفون له عند دخوله دار الرياضة .
أغانيه و تسجيلاته:
ومن الأغاني التي اشتهر بها زنقار أغنية " سوداني الجوة وجداني بريدو" وهي من أغاني إيقاع التم تم و"أغنية حبيبي بيك ليلتنا ليلية" للشاعر سيد عبد العزيز وغناها بصوته الغليظ . وأغنية حبيبي غاب في موضع الجمال بلاقي وأغنية عروس الروض يا ذات الجمال للشاعر الياس فرحات و التي تغنى بها فيما بعد الفنان الراحل عبد العزيز داود و منها أيضا أغنية " إيه يا مولاي إيه " التي غناها أيضا الفنان خضر بشير . و أغنية " من بف نفسك يا القطار " .
و تغني بى:
و غرب اللوري
ودودو بي اللوري
دودو بي
وكلو ده ذي ده أبو ثمانية
بوهية خدار وأبو ثمانية
وقد ارتبطت بظهور اللوري والعربة ماركة أبو ثمانية
تغني زنقار ايضا باغنية "ببكي و بهاتي" و هى من تسجيلات اسطوانات ميشيان 1937
ببكي وبهاتي ..
من المحطة لي بيت القطاطي
حبيبي السافر يا بهجة حياتي
و هي من أغاني التم تم ... وهي ملخص للنشاط الاجتماعي في السودان والتحولات الاقتصادية على مستوى الأفراد و قد صاحب زنقار على الكمان ..موسيقار السودان الأول السر عبدالله و صاحبه علي الكورس الفنان سيد حجازي .. و علي الإيقاع الفنان حسن الزبير.

و كذلك تغني بأغنية "ايه يا مولاي" و يقول الشاعر محمود أبوبكر

" شاركه في الغناء الفنان حسن الزبير من تسجيلات ميشيان بمصر ..
سجلت عام 1938 وكان بمصاحبته في الكورس والعود الموسيقار الراحل إسماعيل عبدالمعين". بينما يقول الجقر أنها من تلحين فضل المولي زنفار و حسن الزبير و أرجح قول الشاعر محمود ابو بكر و هذه الاغنية من تلحين زنقار.
كذلك سجل أغنية "هوي يا ليلى" سجلها بلبل السودان فضل المولى زنقار على اسطوانات ميشيان بمصر عام 1937 و هي من أغاني التم التم... وفيها جاء ذكر الفنانة عائشة ام رشيرش وهي من فنانات الثلاثينات ... واستمرت حتى التسعينات وهي من الفنانات اللاتي اشتهرن بالتغني للمشاهير في الحياة السودانية مثل
لاعبي كرة القدم والمشاهير.
و سجل ايضا أغنية "شباب النيل" و صاحبه في الكورس سيد حجازي – حسن الزبير و علي الكمنجة الموسيقار السر عبد الله و تم انتاج الاسطوانة بواسطة شركة مشيان و هي من تسجيلات سوريا 1939.




زنقار الرياضي و المسرحي:
يقول الأمين احمد عبد الرحيم (الصحافة العدد 5297) ولا يخفى على أحد من ذلك الجيل إن الفنان كرومه كان أحد نجوم الفريق الرياضي لنادي الهلال والفنان زنقار أحد نجوم الفريق الرياضي لنادي حي العرب غير انه ممثل مسرحي يؤدي أدواراً بطولية في فرقة النادي، ويمتد الركب ليشمل الثنائي ميرغني المأمون وأحمد حسن جمعة ليكونا من نجوم الأندية الرياضية في ذلك الوقت.
و في مقابلة له مع الكاتب المسرحي سيد احمد غاندي يقول: قلت له ورد اسمك في برنامج إذاعي عقب الاستماع لأسطوانة لأغنية بصوت الفنان زنقار يقول مطلعها
زينة الحضر زينة البوادي * زينة الفريق زينة الوهاد
فحكي لي القصة التي صهرت ريعان شباب هذا النص الغنائي،وقال «إنها جزء من مسرحية كتبتها في العام 1933م بعنوان «صريع الذكرى»، وهذهالأغنية بعنوان «آهات صريع الذكرى» كان يغنيها زنقار بطل المسرحية بعد موت عشيقته ثم يموت بعدها ويُسدل الستار». وقال لي زنقار: (أرجو أن تسجلها لي في شريط حتى أتمكن من تفريغ النص بعد الاستماع له عدة مرات لأتذكره واحتفظ بها مكتوبة) وقد فعل ذلك بالطبع. وقال لي أيضاً: (أخبرني زنقار بعد عودته من مصر أنه قام بتسجيل هذا النص ضمن مجموعة من اسطوانات الأغاني فوافقته).
و يقول الجقر (15) "نعلم و للذين عاصرو زنقار كان مسرحيا في كثير من الأحيان يرقص و يغني بصورة مذهلة و كأنه راقص باليه لما حباه الله من مرونة في الجسم.
زنقار و علبة الكبريت


.. يقال إن عبد العزيز داوود أخذ طريقة النقرشة على الكبريت من الفنان (زنقار) الذي كان يضبط إيقاع أغنياته عليها..
وفاته:
يقول الجقر (15) توفي فضل المولي زنقار في العام 1951 بحي العرب جوار سوق أم درمان بمستشفي أم درمان.
و يضيف (شوقي بدري) تفاصيل أكثر دقة عن ظروف وفاته حيث يقول "قتل فضل المولي زنقار لسوء الحظ في دكان ادم المكوجي شمال غرب الجزر. فلقد كان المفتش برمبل الانجليزي يجبر الجزارين على تغطية اللحم بالملاءات النظيفة كل يوم و أن يغيروا ملابسهم يوميا و لهذا أعطى أدم رخصة غسال لكي يغسل ملابس الجزارين و ملاءاتهم و كان يعمل كبسات متواصلة على الجزارين. و لقد قتل زنقار في دكان ادم بواسطة احد أصدقائه الشيالين لأنه قرر أن يستعيض عنه بأخر قبل سفرهإلى مصر".










التوقيع
مرر الماوس


التعديل الأخير تم بواسطة ابو ريم ; 06-03-2009 الساعة 11:21 AM.
 
رد مع اقتباس
قديم 03-04-2009, 01:23 PM   #64
مخلص جدا لعروس النيل
 
الصورة الرمزية ابو ريم
 









ابو ريم غير متواجد حالياً
افتراضي رد: أصل حقيبة الفن (نفحات)

 

أسماعيل عبد المعين

نشأته:
لم استطع العثور على كثير من المعلومات الشخصية عن استاذنا إسماعيل و كل ما عثرت عليه حتى الآن هو أن إسماعيل عبد المعين ولد في العام 1918 بمدينة بحري.(20) بينما يقول د. الفاتح الطاهر (19) أن مولده كان فى العام 1912.

يقول د. كامل إبراهيم (20) "كان الأستاذ إسماعيل عبد المعين صديقا عزيزا تعلمت منه الكثير خاصة بعد عودته من فرنسا .. و قد كنت اقضي يومي كله تقريبا معه.. من أهم صفاته أنه منظم و دقيق للغاية كما كان رحمه الله شديد التهذيب و لا يقرب الخمر رغم إنه درس في أوروبا.

و يصنفه الدكتور الفاتح الطاهر كأحد أهم ثلاثة علامات في الموسيقي السودانية من بعد سرور و خليل فرح "إن كان سرور نقل الأغنية السودانية من الطنبور إلي الحقيبة وخليل فرح طوّرها موسيقيا بإدخال العود فقد كان إسماعيل عبد المعين هو من ادخل علي الأغنية السودانية المقدمة الموسيقية".... و يضيف فى موقع آخر فى معرض رده على مقال لمصطفى ابو العزائم عن الكاشف "وعلى الرغم من أن هذا الرأى ربما لايكون مقتصراً على أستاذنا أبو العزائم وحده ، حيث ظل كثيرون يرددونه منذ سنوات طوال ، إلا أننى ومع كل الإحترام للأستاذ الكبير وللآخرين ، لاأتفق معهم حوله ، بل وأجد إجحافاً كبيراً بجهود فنانين آخرين على رأسهم الثلاثة الكبار : خليل فرح وسرور وإسماعيل عبدالمعين الذين أعتبرهم بحق الآباء الحقيقيين للغناء السودانى الحديث . وكل من جاء بعد هؤلاء البناة العظام خرج من عباءة أحدهم ، وينتسب بالضرورة إلى واحدة من مدارسهم. كل مافى الأمر أنه إذا كنا نتحدث عن ثورة فنية تاريخية ، فإن هؤلاء الثلاثة هم قادتها الحقيقيون . فلكل منهم أسلوبه الخاص الذى ميّز به نفسه تمييزاً واضحاً وأضاف به إضافة غير مسبوقة للأغنية المعاصرة . إن إسماعيل عبد المعين جاء بعد وفاة خليل فرح وبداخله الجديد ويقتضينا الإنصاف الوطني والتاريخي أن نقول إن إسماعيل عبد المعين كان ثورة جديدة إضافيّة في التلحين . كان هو صاحب الإضافة الحقيقيّة التي عبّدت الطريق لجيلٍ سوف يأتي ليضع بصماته علي الغناء، وعمل ما كان خليل فرح سوف يفعله لو عاش أطول مما عاش بأعماله الجميلة المتجدّدة ، وبأحاسيسه وتفكيره الإنساني".

و قد تم تكريم عبد المعين بعد عودته من إغترابه الطويل بالقاهرة بواسطة الزعيم اسماعيل الازهرى تقديرا لدوره الفنى الريادى و الوطنى حيث جعله الازهرى المسئول عن الحفلات الرسمية في القصر الجمهورى مع فرقة "البساتين" التى كونها حينذاك.(16)
إسماعيل و العود:
ذكر إسماعيل عبد المعين في برنامج "في ضيافة نجم" انه سمع العود و شاهده لأول مرة في العام 1932 في الخرطوم لدي مواطن مصري يسمي احمد خليل كان يعمل موظفا في مصلحة البريد و هو الذي علّم خليل فرح و عبد الله حسني و عبد القادر سليمان (شقيق الفنان حسن سليمان الهاوي)، سمعته و عمري 18 سنة فقلت لأبن خالتي "أريد عودا" و بعد أيام جاءني بعود من محل جميل جورج في مصر موضوع داخل سلة مصنوعة من جريد النخل." (1)

و يقول إسماعيل بأنه تعلم العود علي أنغام شرقية "حاجات مصرية ما كان لي بها عهد مثل "وصلك يا حلوة إمتي يكون" و هي مقام بياتي و "عطشان يا صبايا" لسيد درويش،(1)
و هو ما أيده عند ذكر واقعة لقاؤه مع خليل فرح إبان مرضه في حلقة من حلقات برنامج "مع أهل الفن" كما سيأتي ذكره لاحقا حيث كان خليل فرح من اشد المعجبين بعزف إسماعيل عبد المعين علي العود.

و إسماعيل عبد المعين هو أول من عزف على العود بالإذاعة السودانية حيث صاحب على العود الفنان محمد احمد سرور عندما غني في افتتاح الإذاعة في العام 1940 أثناء غنائه لأول أغنية بالموسيقي "المتطوعات".

و لقد أثّر و أثري اسماعيل عبد المعين الموسيقي السودانية بغنائه على العود كما ساعده العود بشدة فى وضع الالحان و تطوير أغانى و ألحان التراث و تحديثها و إضافة ذخيرة حية الى أغانينا الوطنية. في لقاء صحفي بمناسبة حصوله على شهادة الدكتوراة عبر اطروحته المقدمة بعنوان "أثر العود في الثقافة الموسيقية السودانية" يقول الدكتور الماحي سليمان "من حيث التأثير الاجتماعي فقد كان العود ممثلا للطبقة الوسطى في المدينة كما اسهم في الحركة السياسية بتلحين الاناشيد الوطنية التي اشتهر بها اسماعيل عبد المعين في الترويج لنشأة مؤتمر الخريجين." (جريدة الصحافة العدد 5297 بتاريخ 18 مارس 2008)

و لقد اشتهر عبد المعين ببراعته في العزف على العود و مقدرته الفاقة في تطويع العود على صياغة الالحان مما ساعده كثيرا فى وضع كثيرا من الالحان المميزة و الخالدة و يعزز ذلك د. الماحي سليمان (المرجع السابق) بقوله "مما لا شك فيه احدث العود نقلة نوعية في نمط التأليف والتلحين وقدم لظهور الاغنية الجديدة باشكالها المتعددة. ومن اشهر عازفي العود الرواد خليل فرح ـ واسماعيل عبد المعين ثم حسن عطية واحمد المصطفى وعثمان حسين وبرعي محمد دفع الله ... مع ملاحظة ان الغالبية العظمى من المطربين في فترتي الاربعينات والخمسينات كانوا مجيدين في عزف آلة العود لضرورته في التلحين وفي الاداء الجماهيري.
إسماعيل الدارس و المدرّس:
ذكر الموسيقار إسماعيل عبد المعين إنه عندما زار المرحوم خليل فرح في مستشفي النهر إبان مرضه الأخير شجعه على التعلم و صقل موهبته و تعلم الألحان الشرقية .. فقال لي " ما تستعمل الأنغام السودانية، لأنها شوية لا تؤدي مطالب الإفصاح عن المشاعر، لابد أن تتعلم في مصر، و اعترضت علي أن اسيب غنانا الحنين لأقول يا ليل يل عين فقال لي ما حتقدر تقولها لأنك ما متربي في بيئتها، لكن ضروري تتعلم القواعد الموسيقية".(1)

و قد حدث، و لكن بعد حين، أن استجاب إسماعيل لرغبة الخليل فدرس في مصر كما تخرج في المعهد العالي للموسيقي في باريس ليكون أول سوداني ينال تحصيلا علميا عاليا في علوم الموسيقي.

و قد درس عبد المعين فى معهد فؤاد الاول بالقاهرة 1933 و في معهد ميلانو للصولفيج 1939 ثم معهد هيلاسلاسي باسمرا ثم عاد الي القاهرة ليغادرها مرة أخري إلي فرنسا لنيل دبلوم الموسيقي الطبيعية من معهد باريس سنة 1955. (26) و قد قرأت من مصدر غير موثوق به انه درس ايضا فى اسبانيا.

و يقول صلاح احمد (16) أن المؤتمر هو الذى بعث باسماعيل عبد المعين للدراسة فى معهد فؤاد الأول للموسيقي بعد أن استقبله هناك المرحود علي البرير و بذلك يكون المؤتمر هو أول من يبتعث فنانا للدراسة بالخارج. و قد كان الشاعر عبد الرحمن شوقي "شوقي السودان" الذي هاجر إلي مصر ملاذا لإسماعيل عبد المعين و الرعيل الاول الذين قدموا لمصر للدراسة.

إحساس إسماعيل بان الدراسة هي أساس كل عمل يراد له التجويد و مصداقا لوصية خليل فرح ذو الرؤية الثاقبة .. كون إسماعيل "معهد الموسيقى" بالإذاعة و كان هدفه أن يبدأ بالعازفين في الإذاعة و لكن تعنت هؤلاء و رفضوا تحت دعوى نحن عازفون معترف بنا و يريدنا إسماعيل أن نجلس في الفصول و نتلقى منه الدروس و كأننا تلاميذ صغار. بعد رفض العازفين أعلن عن قيام المعهد في الصحف و الإذاعة و فتحت أبوابه أمام الجمهور و الراغبين في تجويد أدائهم (20). و و لعل رفض العازفين و المطربين هذا هو الذى دعاه الى وصف الفنانين "بالنجارين" وعازفي الكمان ب"المكوجية" و أدى الى دخوله في مشاحنات مع أحمد المصطفى وسيد خليفة واتحاد الفنانين في تلك الفترة كما صرح الاستاذ الموصلي أن عبد المعين دخل في مناكفات مع خريجي المعهد وبادلوه بالمناكفة و تعتبر هذه واحدة من الهنات القليلة جدا لموسيقارنا رغم انها لا تبرر فالفنان هو الفنان و الابداع ليس له وظيفة و فى اجتهادى لمعرفة لماذا قال ذلك احسب ان الاستاذ لعله أصابه الإحباط في عدم تقدير العازفين لاهمية التعليم الموسيقى و تعنتهم و ترفعهم و سخريتهم ممن اتخذوا التعليم طريقا. و لقد سقت هذا الافتراض بعد تأمل عدد من العوامل التي افترض أنها تؤدى إلى مثل هذا الاتهام:

- عاد الموسيقار إسماعيل عبد المعين بعد إكمال دراسته بين القاهرة و باريس و كله أمل و حماس في صقل مواهب فناني وطنه بالعلم و زيادة معارفهم و تعليمهم النوتة الموسيقية و ايضاً القواعد الموسيقية العامة وتاريخ الموسيقى في العالم.

- زهو المطربين و العازفين بأنفسهم و ترفعهم عن الدراسة و إغفالهم الكثير من الدعوات و المآثر التي تدعو إلى التعليم المستمر (الحديث: أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد)

- رؤية إسماعيل الدارسة و عينه الفاحصة و أذنه المدرّبة بأنهم – رغم تبطّرهم هذا – فعلا يحتاجون إلى الدراسة و ذلك من خلال قلة معارفهم و الخلل في أداءهم و عدم قدرتهم على قراءة النوتة الموسيقية. و مما يعضد ذلك (22) نزوح بعض الفنانين المشهورين إلى العمل مع العازفين المصريين باعتبارهم أكثر معرفة و ثقافة بأصول الموسيقى من العازف السوداني و لذلك كانوا يسافرون إلى القاهرة لتسجيل إنتاجهم الفني هناك ثم يعودون به إلى إذاعة أمدرمان لتشتريه، و هذا ما أزعج المسئولين و جعلهم يسعون إلى تطوير مستوى العازف السوداني و إمكانياته و قدراته مما أدى باتحاد الفنانين إلى فتح فصول دراسية موسيقية.

- إخفاق العديد منهم في الفصول الدراسية الموسيقية كفصل مصطفي كامل الذي تم افتتاحه باتحاد الفنانين و اشترك فيه مجموعة من المطربين و العازفين. و من أربعين دارسا انخرطوا فى الفصل لم يتبق إلا ثلاثة فقط و هم العاقب محمد الحسن و التاج مصطفي و الفاتح الطاهر.

- رغم إخفاق هذا العدد من العازفين و المطربين و عدم قدرتهم على مواصلة الدراسة إلا أن أخوانهم الثلاثة الذين تابعوا الدراسة لم يسلموا من سخريتهم و تهكمهم المستمر. و تم إطلاق أسماء عليهم على سبيل السخرية حيث أطلق على العاقب لقب "باخ" و على التاج مصطفي لقب "موتزارت" و على الفاتح الطاهر لقب "بتهوفن". و رغم من ذلك نجح هؤلاء الثلاثة في استعمال النوتة الموسيقية في القراءة والتدوين و فاز التاج مصطفى بأغنيته "قومي يا سلمي" في العام 1957 في مسابقة الأغنية التي شارك فيها عدد كبير من المطربين (22).

و يطوف بذهنى خاطر أن المطربين و العازفين فى ذلك الزمن كان لدى البعض منهم قناعات ليس لها اساس من الصحة و هى ان التعليم يحطم الموهبة و مصداقا لذلك ورد فى صحيفة الصحافة بعنوان "فى وداع التاج مصطفى" (العدد 5297) "ومما يروى عن الكاشف (سماعا من غير توثيق) انه كان قد انزعج كثيرا من بزوغ عبقرية التاج مصطفى. وأحس فيه منافساً خطيراً وهو (الغيور على الصدارة)، فلم يكن الكاشف يقبل بان تسارى نجمه في المدارات العليا (كواكب أخرى).. وعندما سمع الكاشف في ذروة هواجسه تلك ان التاج مصطفى ذهب ليدرس الموسيقى.. تنفس الصعداء.. وقال لمن حوله ما معناه (خلاص.. الله ريحنا منو)، فقد كان الكاشف من مدرسة (السليقة) وروادها العظام الذين يحسبون ان أية (علمنة) او مدارسة للغناء او تنويت للموسيقى يفسد الصنعة. ويجعل من يدخل في (هذه الورطة) أسيراً لقيودها!."

لكن سرعان ما اجد نفسي مرة أخرى اترك هذه الخاطرة وراء ظهرى فقد تبين للجميع فائدة الدراسة ممثلة فى اسماعيل عبد المعين و غيره.

و لقد ذكر الأستاذ جمعة جابر (6) ان إسماعيل عبد المعين أسس فصل "معهد الاذاعة" ( و احسبه هو نفس ما تم التطرق إليه أعلاه "معهد الموسيقي") و الذى خرّج مجموعة من حملة "دبلوم معهد الإذاعة" و قد كان هذا الفصل واحدا من عدة فصول حيث كان هناك فصل الاستاذ فاروق عثمان حسين لتدريس الاكورديون، و فصل استاذ الكمان الايطالى عزومايسترلى، و فصل الاستاذ المصرى مصطفي كامل عازف القانون.

كما لا ننسى دور عبد المعين في تأسيس فرقة البساتين الموسيقية و التي سوف نأتي على ذكرها لاحقا في هذا المقال.

إسماعيل الباحث و التراث:
السودان بلد شاسع و غني و متجمل بالوانه الثقافية الزاهية و تنوع تراثه و فنونه و هو بحر ذاخر بلؤلؤه و يكاد ينطق بصوت شاعر النيل حافظ ابراهيم و يقول:
انا البحر فى احشائه الدر كامن *** فهل سألو الغواص عن صدفاتى

و استجاب و انبرى غواص يبحث عن هذه الدرر ..و ينقب الاصداف يبحث بداخلها عن اللالئ انه استاذنا الموسيقار اسماعيل عبد المعين.

يقول د. أحمد عبد العال" عميد كلية الموسيقى والدراما "إن الموسيقى في السودان تميزت بما يسمى السلم الخماسي ، وهو سلم معروف لدى المتخصصين ونجده ظاهراً في أوساط السودان ، وفي شرقه وشماله وغربه، وهناك أيضاً السلم السباعي في غرب السودان والذي يربط الغرب ببعض القبائل العربية من جنوب الجزيرة العربية وتتعامل أحياناً بكلمات عربية لا نجد لها ترجمة في القواميس ولهم الكثير من العادات. أما الموسيقى في جنوب السودان لها وضع خاص فطبيعتها إفريقية نسبة للجوار الإفريقي ونسبة للبعد عن الشمال، وعن وسط السودان يلتقي به أعراق السودان بكل التقاليد والفنون مما نراه في الشخصية السودانية بما عُرِفت به من بعض السلوك الاجتماعي بالإضافة إلى وجود التصوف الإسلامي الذي أحبه السودانيون.(جريدة صوت النيل)

و الاستاذ له باع طويل في البحث و التنقيب عن أصول وتراث الفن السوداني و الأفريقي. فهو لم يكن اول متناول للتراث فقد تناوله من قبله البعض و منهم خليل فرح و لكن بالتاكيد هو كان من اوائل من أكتشف اهمية و تنوع و غناء التراث و الفلكلور السودانى كما كان من اوائل ان لم يكن الاول فى اجتهاده و بحثه و تقصيه للمصادر رغم مجيئه متاخرا جدا و فى نهاية فترة المدرسة الفنية الاولى (حقيبة الفن). و هو بالتاكيد أول من نادى بتطوير التراث كما سنرى.

و من هذا فإنه يعتبر علامة فارقة في تطوير الفن السوداني ببحثه و تنقيبه و من ثم تبنيه لفكرة تطوير الأغنية السودانية عبر تغذيتها بالحان التم تم و إيقاع نقرزان مرجان و الزنجران. فعند أول ظهور للتم تم في كوستي ذهب إلي هناك في أول فرصة سنحت له عندما تمت دعوته لحضور مناسبة زواج شقيق المك عساكر ناظر البقارة في ذلك الوقت (22). جلس إسماعيل مع أم بشاير و أم جباير رائدات فن التم تم في السودان (انظر مقالنا عن التم تم). و يستبين الحس البحثي عند إسماعيل بمجرد لقائه لهاتين الفتاتين حيث كان أول سؤال سأله لهما هو عن كيفية إبداعهما لهذه الأغاني و مصدرها؟ و قد أجابتا بأنه أتي مع مساعدي سائقي اللواري الآتية من غرب السودان. و قد قال عبدالمعين في برنامج تلفزيوني إن هذا الإيقاع دخل السودان من شمال إفريقيا وادخله مساعدي سائقي اللوارى. لم ينقطع بحثه عن مصادر التم تم حتى خلال دراسته بباريس في الخمسينات حيث التقي بالمغنية "ليلي" الجزائرية التي كانت تملك ملهي ليليا اسمه "التام تام" و عند سؤالها عن منشأ الاسم أجابت بأنه في تونس و المغرب و الجزائر تطلق هذه التسمية علي إيقاع و علي أغاني مكتوبة علي أساس إيقاع التم تم (22) مما أوحي إلي موسيقارنا أن مصدر أغاني التم تم ربما جاء إلي السودان من شعوب شمال إفريقيا عبر الحدود الغربية.

و يرجع بروفيسور الفاتح الطاهر فضل تطور أغنية التم تم إلي إسماعيل و اهتمامه باعتماد إيقاعها في بناء الأغنية و اللحن السوداني حيث يقول (22): "تلقت هذه الأغنية تطورها اللاحق عبر إبداع إسماعيل عبد المعين الذي اعتبرها ذات مستقبل. فقد أدي هذه الأغاني مؤكدا علي الإيقاع و هو سمة جاذبيتها الرئيسية و محققا بذلك شهرة واسعة بين الناس ساعده علي ذلك تمكنه المطلق لآلة العود و عزفه المميز بالعمق الخصيب مع الخيال المحدود"

و يقول الناقد عبدالمنعم عجب الفيا عن عبدالمعين " ان ادخال ايقاع التم تم في اغاني الحقيبة كان نقطة تحول في مسار الاغنية السودانية ... التم تم بمثابة اللبنة الاولي في صرح ما عرف بالاغنية الحديثة. ومن الدلائل علي ذلك ان رواد هذه الاغنية مثل الكاشف وحسن عطية واحمد المصطفي والفلاتية، قد بداوا تجاربهم الفنية بترديد اغاني التم تم .والفضل في هذا يعود الي الفنان العبقري المجهول إسماعيل عبدالمعين. ومن الاغاني التي كان يؤديها عبدالمعين بالعود تشكلت الامشاج الاولي للاغنية الحديثة".

و التفاعل بين الثلاثي فرح - اسماعيل – التراث كان له أثره الكبير في تطور الاغنية السودانية فقد كان إسماعيل معجبا اشد الإعجاب برائعة خليل فرح (عزة في هواك) التي اخذ خليل فرح لحنها من أغنية لحكامه تهجو فيها احدهم و اسمه الفنجري (انظر ترجمة الخليل).

و يرجع عبد المعين أسباب بقاء "عزة" الى حقيقة أن الخليل استعان بالتراث و الفلكلور و هو ما كان دوما ينادي به إسماعيل من إننا امة غنية بتراثها و فنها و نظرية إسماعيل في الاستفادة من هذا التراث هي أن يستغل هذا التراث استغلالا صحيحا و منهجيا بحيث لا يكون مجرد تكرير ممجوج من غير تطوير أو إضافة من ما اسماهم "النسّاخين" فهو يقول (20) "أن النسخ مهما كان متقنا لا يمكن أن يتفوق علي الأصل أو يحل محله .. إذا ما هو الجديد إذا كان الحال كما قلنا". إسماعيل يري انه لاستغلال التراث و الفلكلور استغلالا صحيحا يجب الاستفادة من المعرفة و التقدم الذي حدث في مجال الفن مع الاستغلال الأمثل للآلات الموسيقية الحديثة لإثراء الحاضر مثلما فعل خليل فرح عندما لحّن "عزة" و هذا هو أساس مدرسة إسماعيل الفنية في تطوير الغناء و الموسيقي السودانية.

التزام إسماعيل بهذا المنهج قاده إلي كثير من المصادمات و أثارت عليه ضغينة الكثيرين و خير مثال لذلك عندما ابدي رأيه في الحان البعثة الكورية التي استقدمها النميري لترقية الأداء و التعليم. فقد كان إسماعيل يري أنها و رغم ما قدمته لمعهد الموسيقي و المسرح من فضل في العمل بالنوتة الموسيقية و غيرها إلا أنها أفقدت الأغاني السودانية التي قدموها "النكهة" السودانية و إحلال مكانها نكهة كورية و خير مثال لذلك أغنية "عزة في هواك". و حينما تحالفت الدولة مع أعداء إسماعيل جعله لا يطيق الظروف التي أحاطت به فذهب مغاضبا إلي ليبيا ليعمل مستشارا فنيا بها.

نظرية إسماعيل في نقل التراث و تطويره ظهرت بصورة جلية في عدد من الأعمال الفنية حيث استفاد من لحن الأغنية التراثية "الطير بحوم فوق الرمم" ليضع مقطوعة "يقظة شعب" على السلم الموسيقى العالمي مقام "رى الكبير" لتأخذها البحرية الأمريكية كمارش لها كما سنشرح بإسهاب لاحقا. كذلك لحن الموسيقار إسماعيل أغنية "تمر النخيل إستوى" مستغلا لحن أغنية "بعشومة" من التراث و الأغنية مسجلة بصوت عبد المعين نفسه في هيئة الإذاعة البريطانية و إذاعة الشرق الأوسط المصرية و الأغنية على مقام "الحجاز كار" احد المقامات الشرقية. (20)

و يقول الأستاذ محمد صالح يعقوب "..لعل من أهم المهام التي أداها الراحل الأستاذ الموسيقار إسماعيل عبد المعين انه سبر أغوار الفنون المسموعة القديمة في السودان وأخضعها لتنظيره واستماعه الطويل فاستطاع أن يعيد كثيراً من الأنغام السودانية الشهيرة - بما فيها المارشات العسكرية - إلي خلفياتها الشعبية الضاربة في القدم ومن خلال ذلك أوضح لنا حركة التطور المتواصلة في أهم شرائح الفنون "الشعر والغناء والموسيقي ... منذ الفترة السابقة لألحان وأغاني «التم تم» وحتي المرحلة الحديثة التي أعقبت "غناء الحقيبة" شارك في خضم ذلك بإضافاته اللحنية سواء ما لحنه للفنان الراحل سيد خليفة في مرحلته الدراسية بمصر وغيره من الفنانين أو تلحينه لبعض الأناشيد الوطنية في مرحلة قيادته معهد البساتين في الستينيات وبعض السبعينيات."

كما يعود الفضل للموسيقار عبد المعين في أنه قام بتعريفنا بالكثير من الأغاني والأهازيج الشعبية لمناطق نائية من السودان، ومثال علي ذلك الأغنية التي تغني بها خليل إسماعيل "يوم بيوم نبيع الكمبا"، و"المهدي جا من دنقلا"، ومن دار فور "يا أم قرقدي جبدي .. كان يبقي زى حقي دي"، والكثير الذي جلبه من تجواله وبحوثه.

و من المعروف عن الأستاذ عبد المعين أن أغانيه التي يؤلفها لا تهتم بجماليات النص فهو ليس بشاعر و لكنه يكتب ما يكتب ليحفظ به اللحن .. و و لاشك أن الكثيرين سمع بأغنية "لاوو" و هي تلك القطعة من القماش التي يلبسها أهلنا في الجنوب و التي تقول بعض كلماتها (20):

لاوو لاوو لاوو ... و أنا شلكاوى لابس اللاوو
لاوو لاوو لاوو ... و أنا دينكاوى من جبل لادو
لاوو لاوو لاوو ... و أنا حساني راكب الجملو

من أهم إضافات إسماعيل الموسيقية إدخاله مقام "الزنجران" في اللحن السوداني حيث مزج الموسيقى الشرقية مع ما يعرف ب (رن الزنج) و نتج منها ما يعرف "الزنجران" أو ما يعرف الموسيقى "الزنجوعربية" و الأصح تسميتها "الزنجوشرقية"(20). و الزنجران من المقامات القديمة التي أعاد إحياءه و نشره من العدم تقريبا سيد درويش مما دعا البعض إلى أن يعزو إليه الفضل في ابتكاره. و لقد قصد عبد المعين بتبنيه للزنجران الخروج من التقليدية فى السلم الخماسى الذى يعتمده السودان و بعض الدول الافريقية مثل اثيوبيا و الكونغو و مزاوجة السلمين الخماسي والسباعي.

و قد اورد احد الكتاب في احد المنتديات يقول "عندما اعتمد عبد المعين الحان و ايقاع الزنجران كان ذلك ضمن مرجعية سوسيولوجية هي ان الدم الزنجي الذي يجري في الأعراق السودانية يطربه – اصلا – الأيقاع، لذا يجب ان ينضبط الأيقاع السوداني ب"مشي الخيل" و ليس " مشي الجمل" كما يمطه بعض المغنين, وضرب اسماعيل مثلا لذلك بعزة في هواك على انها سريعة كما غناها الخليل وليس " ممطوطة" كما تؤدي الآن". و هو قول غريب لم يورد صاحبه له مرجعا حتى نستوثق منه، فقد ورد فى كتاب معاوية (1) ان اسماعيل عبد المعين قال عن أغنية عزة "لحنها الاصلى كان خفيفا، لكن خليل تقّلها عشان القعدات و التطريب".

و يقول صلاح شعيب "في يقيني أن مصطلح "الزنجران" كان ضربا ً خفيضا ً في وتر الهوية و"نقارتها"، وضربا ً من ضروبها الوعرة أيضا، حيث تلازم أوان طرح المصطلح مع "طروحات هويوية" في مجال الفكر والادب والتشكيل/ وإذا كانت ما تضخه منظومات الحركة الوطنية/الحزبية يمثل أحلاما لمطابقة هويتنا بالمجال الحضاري أو تنويعا له، فإن مدرسة الغابة والصحراء كانت كذلك تفصح بشعرها، أما مدرسة الخرطوم التشكيلية فهي لا تختلف بإنتاج إبراهيم الصلحي ومحمد أحمد شبرين وعثمان وقيع الله الذين يطوعون الحرف العربي لتبيئته سودانيا ً..وهل ننسي تجربة "ابادماك" الإله الأسد..؟

إذن فإن الأستاذ عبد المعين قائد فرقة البساتين الموسيقية لم يعدم حيازة جزء من الملمح الفكري الذي سم تلك المحاولات، فمحاولته لتأسيس وتأثيث "الزنجران" ربما أرادت خلق منهج موسيقي يرضي البقارة والجعليين والدينكا والمساليت والشوابنة والحمر والقمز أوالوطاويط، في آن واحد، فهو لابد أحس أن الاغنية الامدرمانية تمثل التراث الجميل لثقافة الوسط ولكنها بحاجة إلي التطور بإتجاه التنوع القبائلي للسودانيين".

إسماعيل و مدارسه الفنية:
تقدير عبد المعين لفن التأليف الموسيقي و تبنيه لمدرسة تقول بما قاله الموسيقار العالمي موتسارت بخصوص التعاون مابين الشاعر من ناحية و الملحن و المغني من ناحية أخري "يجب و بالضرورة أن يكون الشعر مطيعا للموسيقي في الغناء" أدخلته في حرب ضروس مع شاعر الحقيبة الفحل إبراهيم العبادى الذى بالطبع يتبنى مدرسة مناقضة تماما لمدرسة عبد المعين، إذ يقول العبادى " لولا شعرنا لما وجدتم ما تتغنون به" و يرد عليه إسماعيل بقوله " لولا موسيقانا و غنائنا لما سمع بشعركم أحدا". و علي نفس المنوال حدث تصادم مابين الشاعر إسماعيل حسن و الفنان محمد وردي. (20)

و قد ساهم عبد المعين مع آخرين في ظهور مدرسة نقدية جديدة في الفترة 1958 -1979. هذه المدرسة تمارس النقد الفنى من موقع التفهم بأن النقد الفني مهمة "فنية و أدبية" معا ذلك أن رواد هذه المدرسة ( و منهم على سبيل المثال: الماحي اسماعيل و مكي سيد احمد وجمعة جابر) كانوا يجمعون ما بين المعرفة بالعلوم الموسيقية إلي حد ما و أن معظمهم محترف لها و بين الموهبة الأدبية إلي جانب معقول من الثقافة. (6)

إسماعيل و فرقة البساتين:
عند عودة الموسيقار إسماعيل عبد المعين بعد إكمال دراسته بين القاهرة و باريس عاد و كله أمل في صقل مواهب فناني وطنه بالعلم و بالفعل طلب من وزارة الإعلام السماح له بافتتاح مدرسة موسيقية فوافقت الوزارة علي طلبه و لكن دون أن تقدم له مساعدات مالية، مما اضطره لتنظيم دورات لدراسة الموسيقي في العراء تحت ظل شجرة تنمو داخل مبني الإذاعة. و كان أن تقدم للانتساب إلى هذه المدرسة 120 طالبا اختير من بينهم 36 طالبا بعد اختبارات في القدرات الفنية و فيما بعد تكونت من هذه المجموعة فرقة البساتين التي اشتهرت بأداء الأغنية الوطنية "واجب الأوطان" (22).

أسس إسماعيل عبد المعين فرقة البساتين الموسيقية ببحري. قام عبد المعين من خلال هذه الفرقة بتطبيق ألحان الزنجران و تحديث و تطوير أغانى التراث و رعاية المطربين الشباب و يقول الموصلى "ان اول محاولة للتحديث باوركسترا خاصه كانت للراحل اسماعيل عبد المعين وفرقة البساتين وهي الرائده في مجال العزف الجماعي من خلال النوتة الموسيقية والبحث عن التراث."

و قد قدم عبد المعين الكثير من الانتاج الفنى من خلال هذه الفرقة مثل "أخي" و "واجب الأوطان داعينا". و يقول احمد القرشى (24) "إن أغنية واجب الاوطان داعينا التى يقول الكثيرون انها من كلمات عبدالرحمن الريح والحان اسماعيل عبدالمعين ... هي حقيقة من كلمات الشاعر عبيد عبدالرحمن ولحن سرور أما الموسيقار اسماعيل عبدالمعين فلقد تصرف فى لحنها الاصلى وغير فيه قليلا مع الاحتفاظ بهيكل اللحن ولقد سجلها بلحن اسماعيل عبدالمعين فرقة البساتين التى كونها عبدالمعين اما لحن سرور فلقد سجله للاذاعة الفنان بادى محمد الطيب."

يقول الأستاذ محمود أبو العزائم عن الفرقة "كان من المزمع عقد اجتماع للمذيعين بهدف تقييم إحدى دورات البرامج الإذاعية و قد تناهى إلى أسماعي حين دخلت الإذاعة أصوات صاخبة الأمر الذي جعلني أظن أن ذلك من تسجيلات الموسيقي الغربية التي تمتلكها الإذاعة السودانية.
و لم يخطر ببالي أبدا أن هذه الموسيقي هي موسيقي سودانية أصيلة و قد جذبني هذا الصوت إلي الأستوديو و صفقت حينما شاهدت إسماعيل عبد المعين و تلاميذه أعضاء فرقة البساتين و بصورة عفوية أخذت كرسيا قريبا مني و جلست استمع إليهم، كان من المقرر أن يبدأ الاجتماع في الساعة السابعة و لكن حين نظرت إلى الساعة كانت تشير إلى الحادية عشر".(22)


ولكن مشكلة الأستاذ إسماعيل أن تطبيقات جوقته كانت بحاجة إلي الدعم من قبل حفريات موسيقية ينهض بها أكاديميون حتي يعينونه في عمله الخلاق، جلبا للفلكلور الموسيقي من الاصقاع النائية كما يفعل بعض طلاب الموسيقي، أو تحليلا له في معمل الدرس ومعرفة حول ما إذا كان هذا الجلب يساعد في تحسين فكرة أعماله الموسيقية إقتباسا أو تناصا ، كما فعل وردي في قصيدة الأستاذ سيد أحمد الحردلو حيث استعان ببعض الموازير الموسيقية من الغناء النوبي لمقتضي استنطاق النص، أو كما فعل الشاعر محمد طه القدال في استخدام الإيقاع العربي/الشامي في إحدي قصائده للوصول بالتجريب الموسيقي إلي أعلي مدي. (صلاح شعيب)

و مما يؤسف له أن تم حل هذه الفرقة بعد فترة قصيرة من تأسيسها نتيجة لموقف بعض الإداريين مما يعكس ضيق أفقهم و ترجيحهم لأهوائهم و رغباتهم الشخصية على تطلعات و مستقبل الأمة الثقافي. و لعل هذا هو احد الأسباب التي أدت به إلى الهجرة مغاضبا إلى ليبيا كما سبق ذكره.

مارش البحرية:
هذا النشيد تم عزفه فى تنصيب الرئيس الامريكي الجديد اوباما. و نشيد البحرية الامريكية ( كما اصبح يطلق عليه) هو نشيد "يقظة شعب" (و هي غير أغنية يقظة شعب لمحمد وردي)و يروي لنا إسماعيل عبد المعين قصة مارش البحرية وكما ذكرها لأبي العزائم في حلقه من كتاب الفن:

"وأنا صغير بشمبات كان فرقه من الاورطه التابعة للجيش يمرون بجوار منزلنا في طابور يرددون نشيدا معينا فقر النشيد بذهني عبر سماعي له ولاحقا عند دراستي للموسيقي بالقاهرة قمت بعزف هذا النشيد أمام ملأ كان منهم اللورد استيفن بادن باول " مؤسس الكشافة" فطلب مني أن أقوم بكتابه هذا النشيد علي شكل نوته ولاني لم ادرس النوته وقتها قام احد الاخوه الدارسين بكتابته له فأخذه اللورد بادن باول معه وشكرني لكنني بعد فتره طويلة تفاجات بخطاب وأنا بمصر من البحرية الامريكيه يستاذنني في اتخاذ النشيد شعارا للمارينز ويدعوني إلي حضور حفل علي بارجه امريكيه ترابض علي البحر المتوسط لتدشين النشيد عبر الفرقة الموسيقية العسكرية للمارينز فوافقت وسافرت الي عرض البحر عبر برقه بليبيا وعند وصولي إلي البارجة رحب بي قائدها وفرجني عليها ثم اصطفت الفرقة الموسيقية لعزف النشيد وطلبوا مني أن أقوم بقياده الفرقة أثناء العزف لكني اعتذرت لعدم دراستي قياده اوركسترا وقتها فطلبوا مني أن أقوم باعطاهم "روح النشيد" بفمي قبل عزفه ففعلت ذلك فقامت الفرقة بعزفه بصوره جميله جدا جدا".

يقول د. الفاتح إبراهيم (22) أن إسماعيل عبد المعين قد وضع هذا اللحن في العام 1947 مستفيدا من اللحن الشعبي "الطير يحوم فوق الرمم" من جنوب السودان. و قد تقاضي إسماعيل مبلغ سبعين جنيها فقط مقابل تعبه في هذا اللحن. و بعد سنوات عرض فلم سينمائي كانت بعض مشاهده مكرسة للأسطول البحري الامريكي و قد صاحبت هذه المشاهد شعار الأسطول الامريكي الذي و ضعه الفنان إسماعيل و قد أشير إلي ذلك في الفيلم مع الذين ساهموا في هذا العمل. و علي ذكر الأفلام إسماعيل عبد المعين ظهر أيضا في فيلم ( ما تقولش لحد )، بطولة فريد الأطرش و سامية جمال و قد غني ضمن مجموعة أبطال الفيلم. ولقد قال الأستاذ عمر عبدالعاطى في برنامج على موج الأثير الذي يقدمه الأستاذ عوض بابكر انه قرأ في مقدمة احد الأفلام المصرية إن اغانى الفيلم من الحان إسماعيل عبدالمعين وان الاغانى تغنى بها الفنان فريد الأطرش (24).

بينما يقول د. كامل ابراهيم حسن (20) "اقتبس إسماعيل لحن "يقظة شعب " من التراث و الفلكلور الشعبي و بالتحديد أغنية – اعتقد إنها من غرب السودان – تقول بعض كلماتها:
الطير يحوم فوق الرمم
مرقو لو اخوان البنات"

و في حلقة عرضت عام 1976 قدمها الأستاذ/حسن عبد الوهاب و استضاف فيها الموسيقار السوداني الراحل إسماعيل عبد المعين حيث تحدث عن واقعة مارش البحرية الامريكية:
يقول انه في عام 1943 بينما كان متواجدا في القاهرة قام بعزف لحن لجدته التي كان يسمعها تترنم به أثناء صناعتها أطباق القش من سعف النخيل وذلك بعد أن أجري عليه الوزن الموسيقي :
خبر الحِلة داك صحيح كان دروا وما دروا
الطير تحوم حول الرمم كان دروا وما دروا

يأتي غرابة هذا الاستخدام أن الكلمات جاءت باللهجة السودانية الأفريقية الدارجة .

إذ قدم هذا اللحن (النوتة ) إلي السفير البريطاني في القاهرة حيث كانت السودان في ذلك الوقت تحت الاحتلال البريطاني ونالت الاستقلال في 1/1/1956م . وقدم هذا اللحن علي سبيل الدعابة والطرفة إلا أن السفير البريطاني سأل الموسيقار :" هل هذا اللحن بدون مقابل ؟" . فكان رد الموسيقار :" نعم بدون مقابل".

بعد فترة من الزمن وفي عام 1952م وصلت رسالة للموسيقار من شخص اسمه عبد اللطيف ناقلا له طلب الحكومة الأمريكية بإعداد نفسه للاستماع إلي لحنه الذي قدمه للسفير البريطاني وحضور البروفة التي ستؤديها الفرقة الموسيقية للقوات البحرية الأمريكية . وتم الاتفاق علي أن نقطة اللقاء في طبرق في ليبيا .

في الموقع والمكان المحدد جاءت طائرة هيلوكبتر أمريكية إلي المكان وحملته ونقلته وحطت به علي ظهر بارجة أمريكية في وسط البحر. وعند الترجل من الطائرة وجد أن الفرقة الموسيقية الأمريكية جاهزة للعزف .

عزفت الفرقة الموسيقية اللحن وكان مطابقا للتوزيع الموسيقي الذي اسمعه للسفير البريطاني .
خبر الحِلة داك صحيح كان دروا وما دروا
الطير تحوم حول الرمم كان دروا وما دروا

قام الموسيقار إسماعيل بترجمة نص ترنيمة جدته لرئيس الفرقة الموسيقية الأمريكية فكان رده: "No problem" .

صه يا كنار:
لحن إسماعيل عبد المعين أغنية صه يا كنار في العام 1937 علي إيقاع المارش و هي من كلمات الصاغ محمود أبو بكر حسن أحمد الملقب بالنسر و له ديوان باسم "أكواب بابل علي ألسنة البلابل" ومن قصائده الخالدة والتي يتغني بها الفنان أحمد المصطفي (الزاهي في خدرو ما تألم إلا يوم كلموه تكلّم ) وكان ذلك يوم صدور كشف تنقلات المعلمات حيث كانت من بينهن محبوبة الشاعر و (إيه يا مولاي إيه) التي يغنيها المرحوم الفنان خضر بشير. و لقد أصبحت أغنية "صه يا كنار" شهيرة جدا و لعبت دورا تربويا خاصا وسط الطلبة و المثقفين و أصبح هذا هو النشيد الذي يردده الشباب خاصة بعد تأسيس مؤتمر الخريجين العام (22).

و قصة النشيد كما روته مؤرخة الأغاني الأستاذة فاطمة مدني، ثمرة لقاء صدفة بين الموسيقار والشاعر في قاطرة حلفا في منتصف الأربعينات. فقد كان الموسيقار عائداً من مصر في عطلته من معهد الموسيقي العربية الذي كان ملتحقاً به. وكان الشاعر، من الجهة الأخرى، عائداً من جبهة الشرق الأوسط من الحرب العالمية. وكان ميلاد "صه يا كنار" و .... التقى جيل البطولات بجيل التضحيات ..... فاشعل السودان نارا و اشتعل. (شرح القصيدة؛ انظر مقالنا فى بوست "شوارد الادب السودانى")

و الأغنية كانت تعبّر عن الأحاسيس الوطنيّة والنضال من أجل الحريّة ، وكان إسماعيل يعلم إن الأغنية الوطنية تدفع إلي الأمام وتربط المواطن بأمّته. والأغنية في صياغتها ترتكز علي عنصر التوازن الدقيق بين الكوبليهات في توليفة جذّابة بعد أن وضع لها مقدّمة موسيقيّة حالمة . وتعتبر أغنية "صه يا كنار" هي ثاني أغنية سودانيّة لها مقدّمة موسيقيّة بعد أغنية "عزّة" (صلاح شعيب)

صه يا كنار
كلمات: محمود أبو بكر1918 -1970
ألحان : الموسيقار إسماعيل عبد المعين

صَهْ يا كنارُ وضعْ يمينكَ في يـدي
ودعِ المزاحَ لذي الطلاقـةِ والددِ
صه غيرَ مأمـورٍ وهـاتِ هـواتناً
دِيَماً تهشّ علـي أَصِـيد الأغـيد
فإذا صغـرتَ فكـنْ وضـيئاً نَيّراً
مثلَ اليراعـةِ في الظـلام الأسود
فإذا وجـدتَ من الفكـاك بوادراً
فابذلْ حياتَـكَ غـيرَ مغلـولِ اليد
فإذا ادّخـرتَ إلي الصباح بسالـةً
فاعلمْ بأن اليومَ أنسبُ من غـد
واسـبقْ رفاقَكَ للقيـود فـإنني
آمـنتُ أنْ لا حـرَّ غيرُ مُقيَّد
وأمـلأْ فـؤادَكَ بالـرجاء فإنها
«بلقيسُ» جاء بها ذهـابُ الهدهـد
فإذا تبدّد شـملُ قومكَ فاجْمَعنْ
فإذا أبَوْا فاضربْ بعزمـة مُفـرَد
فالبندقيـةُ في بـدادِ بيوتـهـا
طلعـتْ بمجـدٍ ليس بالمتبـدّد

صه يا كنارُ فما فـؤادي في يدي
طـوراً أضـلُّ وتارةً قد أهتدي
وأري العواذلَ حين يملكني الظما
فأمـوت من ظـمأٍ أمامَ المـورد
وأرود أرجـاءَ البـيانِ دواجـياً
فأضـيق مـن آنائـه بالشُّرَّد
أنا يا كنارُ مع الكواكـبِ ساهدٌ
أسـري بخفـق وميضها المتعدّد
وعرفتُ أخلاقَ النجـومِ، فكوكبٌ
يهبُ البيانَ وكوكبٌ لا يهتدي
وكويكبٌ جمُّ الحياءِ وكوكـبٌ
يعصـي الصـباحَ بضوئه المتمرّد
إن كنتَ تستهدي النجومَ فتهتدي
فانشدْ رضايَ كما نشدتَ وجَدِّد
أو كنتَ لستَ تطيق لومـةَ لائمٍ
فأنا الملـومُ علي عـتاب الفرقد

صه يا كنارُ، وبعضُ صمتِكَ موجِعٌ
قـلبي ومُـوردِيَ الردي ومخلّدي
أرأيتَ لولا أنْ شـدوتَ لما سرتْ
بي سارياتُكَ والسُّري لم يُحمَد
حـتي يُثوِّبَ للكمـاة مُـثَوِّبٌ
ليذيبَ تاموري ويحصب موقدي
أنا لا أخاف مـن المنون وريبِها
مـا دام عزمي يا كنارُ مُهنَّـدي
سـأذود عن وطني وأهلك دونَهُ
في الهالكـين فيا ملائكةُ اشهدي


حركة الخريجين:
لحن عبد المعين اثنين من اهم أناشيد الحركة الوطنية فى ذلك الوقت و التى كانت بقيادة مؤتمر الخريجين و هما نشيد "للعلا" و "صرخة روت دمى". يورد د. الفاتح الطاهر (19) قصة هذين النشيدين كما يلي " في أواسط عام 1941م اتصل ممثلو مؤتمر الخريجين بإسماعيل عبد المعين ، يطلبون منه تلحين نشيد المؤتمر (للعلا) من كلمات خضر احمد .. ووافق إسماعيل لا بوصفه رائداً يكشف الطريق للأجيال القادمة بل بوصفه فناناً مصقولاً وتأثر ضد الأوضاع في السودان وهي في الاستعمار وفي مساء ذات اليوم وبعيداً عن ضوضاء المدينة وبهرج الحياة اختلي إسماعيل عبد المعين بنفسه ، في مقبرة قريبة من حديقة البلدية في الخرطوم بحري ، باحثاً عن الهدوء وخلال ساعات قام بتلحين النشيد ، وفي مساء اليوم الثاني توجه إلي نادي الخريجين ودعي مجموعة من شباب النادي واجري معهم البروفات اللازمة حتى اقتنع بأدائهم وبعدها بيوم واحد قدمه أمام ممثلي المؤتمر بنادي الخريجين بأم درمان الذين كانوا تواقين لسماعه. (والنشيد يُعتبر أول عمل سوداني لُحن علي إيقاع المارش (نبرة الحماس)) ....

للعلا للعلا وابعثوا مجدنا الآفلا
واطلبوا العلاة المزيد – للعلا
أيها الوادي الخصيب أن للمؤتمر
صاحب الشادي البعيد – للعلا

بعدها برز رأي عند البعض ، أن كلمات النشيد ليست بمستوي الأهمية والعظمة التاريخية لتأسيس مؤتمر الخريجين العام وبرنامجه الوطني وأهدافه ، علماً بأن اللحن الذي وضعه إسماعيل عبد المعين أستقبل بإعجاب شديد من قبل الحضور ، وصار هذا الرأي يقلق الكثير من الأعضاء ، وذات يوم سمع بعضهم إسماعيل عبد المعين يغني أغنية (في المعبد المسحور) فأعجبتهم ، واستفسروا عن اسم شاعرها ، فأخبرهم إسماعيل ، بأن مؤلفها شاب يدرس في دار العلوم بالقاهرة يسمي محي الدين صابر ، عندئذ طلبوا منه أن يوصل رجاءهم إليه .. بكتابة نشيد وطني خاص بمؤتمر الخريجين وزودوه بمفردات كانوا يرون أن يتضمنها النشيد وهي الكفاح ، رفع العلم ، الخلاص ، وحرية الوطن .

سافر إسماعيل عبد المعين بعد انتهاء عطلته الصيفية إلي القاهرة والتقي هناك بمحي الدين صابر في نادي شباب السودان ، ونقل إليه رغبه ممثلي مؤتمر الخريجين ، فاستقبل الشاعر الشاب الخبر بحرارة وفرحة ومشاركة أعضاء المؤتمر الأحاسيس الوطنية.

وفي نفس مساء اليوم كتب كلمات (صرخة روت دمي) فأعجب إسماعيل بكلمات النشيد ولحنه وبعد عودته للسودان اجري البروفات اللازمة وقدم النشيد في نادي الخريجين بام درمان واستقبله أعضاء المؤتمر بإعجاب شديد مشيدين بالشاعر والملحن ، وكان من بين الحضور (الزعيم إسماعيل الأزهري، خضر حمد، يحي فضلي، محمود ألفضلي، بابكر قباني و مبارك زروق."

اقاطع هذا السرد قليلا ... رغم انى ارجح ما سبق وروده من ملابسات اغنيتي "للعلا و صرخة" لانها صدرت من عبد المعين نفسه في اكثر من مناسبة لكن رأيت ان أسرد رواية حسن نجيلة (30) لانها تختلف قليلا. يقول حسن نجيلة "و قد وضع السيد خضر احمد نشيدا للمؤتمر تغنى به الناس فى كل مكان و هو نشيد "للعلا للعلا" المعروف إلا أن لجنة المؤتمر في ذلك الحين عقدت مسابقة عامة للشعراء لوضع نشيد آخر، ففاز بالجائزة الاولي النشيد الذى وضعه الدكتور محيي الدين صابر و كان طالبا بدار العلوم في القاهرة و تم تلحينه و أنشده اسماعيل عبد المعين في هذا الحفل لاول مرة (الحفل الادبى الذي اقيم للعقاد بنادى الخريجين بالخرطوم)". و يمكن ايجاد تفسير لهذا الاختلاف اذا افترضنا أن النشيد بعد حضوره مع اسماعيل للسودان (او إرساله لاخذ الرأي فيه) تم اخضاعه لمنافسة و فاز فيها. اما الاختلاف الثانى في موقع نادى الخريجين فلا ادرى اذا ما كان هناك ناديا للخريجين فى الخرطوم فى ذلك الوقت.

يواصل د. الفاتح الطاهر " كان موقف الإدارة البريطانية حيال ظهور هذا النشيد هادئاً للغاية لأن الجمهور الذي سمعه كان يمثل قطاعاً ضيقاً من الناس ، فالإدارة لم يحدث أن تدخلت في نشاط نادي الخريجين الأدبي أو الفني ، لأنهم فئة مميزة من السكان المحليين ولا يشكلون إلا نسبة ضئيلة جداً منهم بل كانت تخشي من الأغنية السياسية المضمون التي تغني في حفلات جماهيرية لعامة الشعب.
لقد اثبت إسماعيل عبد المعين بهذا النشيد الرائع ، انه ليس ملحناً موهوباً بل منظماً ووطنياً غيوراً علي مصلحة وطنه ، فقد كان يذهب إلي المدارس بنفسه ويحفظ المعلمين والتلاميذ أناشيد الوعي أي أناشيد المؤتمر ( للعلا ، صرخة روت دمي، صه يا كنار) ومن بعده يفتحون بها يومهم الدراسي ويرددونها في الشوارع والمدارس حتى أخذت تنتشر بين الجماهير بشكل واسع ، وتوقظ في نفوسهم الأحاسيس الوطنية وكراهية الاستعمار البغيض.

وفي هذا الجو العاصف الملتهب أسس إتحاد طلاب كلية غردون ، فلقد ولد هذا الاتحاد مشبعاً بآراء وأفكار مؤتمر الخريجين الوطنية وكانوا عند عودتهم إلي مدنهم وقراهم في عطلاتهم ينشرون أناشيد الوعي ، وأهداف المؤتمر بين سكان هذه المناطق ، ويمكن القول بأن انطلاقة مؤتمر الخريجين الجماهيرية كانت من المدارس وكليه غردون وفيها نمت أفكاره وتبلورت مبادئه وخرجت إلي الشارع ووصلت جماهير الشعب المناضلة بواسطة المعلمين والطلبة وكان منهم إسماعيل عبد المعين.

ونظراً لنمو الوعي القومي عند الجماهير ، فقد حظيت هذه الأناشيد بشهرة واسعة واخذ الكفاح الشعبي والنضال في صفوف الطبقة العاملة يزداد ، خاصة بعد سنوات الحرب العالمية الثانية فظهرت أناشيد تتناول القضايا الملحة للجماهير الثائرة وبهذه الصورة لعبت أناشيد الوعي دوراً هاماً في نضال الشعب السوداني من اجل نيل استقلاله الوطني ، وضد سيطرة الاستعمار المكروه ، وما أن لمع إسماعيل عبد المعين كملحن ومغني هذه الأناشيد حتى انهالت عليه الدعوات للغناء من مختلف مدن البلاد ، مدني ، عطبرة ، كوستى، الأبيض، وبور تسودان.

سافر إسماعيل عبد المعين إلي الأبيض بهدف إقامة حفل استجابة لرغبة أهل المدينة الثائرة وهنالك اتصل به احد المواطنين ونصحه بأن لا يغني أناشيد المؤتمر دون أن يوضح له السبب وفي يوم الحفل بسينما كردفان احتشد آلاف من الناس نساء ورجال وأطفال وكان من بين الحضور عدد من الإداريين الانجليز الذين يعملون بالمدينة و مسئولين عنها ، أرادو أن يستمعوا إلي أناشيد المؤتمر بصوت المطرب السوداني الشهير.

غني إسماعيل في البداية أغانية الوجدانية ( جبال التاكا) ، ( قابلته مع البياح) ، ( ويا نديم الصبوات) وإثناء وصلته توجهت احدي السيدات الحاضرات في الصالة ، بطلب معبرة عن الرغبة المشركة للحضور قائلة : ( عبد المعين ... عايزين نسمع أناشيد المؤتمر ) ومن أثر ذلك نهض رجل واقترب من إسماعيل ، فقال له " لا حاجة لنا بذلك لا ترد عليها يا إسماعيل" . عندها توجه إسماعيل إلي الجمهور برجاء ، بطلب فيه من الجميع الوقوف بحجة أن أناشيد المؤتمر ينبغي الاستماع إليها وقوفاً غني إسماعيل الأناشيد الثلاثة (للعلا) (صرخة روت دمي ) (صه ياكنار) بأداء جميل وخطابية مشبعة بجمال صادق وإيمان عميق وخلفه شباب المؤتمر يرددون من بعده مقاطع من الأناشيد ، وبعد الحفل حملت الجماهير المتحمسة الفنان الكبير علي الأكتاف خارج السينما إلي الشارع الفسيح .. مرددة الهتافات بسقوط الاستعمار ، وأخري بنضال الشعب ومؤتمر الخريجين وفيما بعد علم إسماعيل إن الرجل المجهول الذي نصحه بالا يغني في الحفل أناشيد المؤتمر ، كان مدسوساً من قبل الانجليز.

ورغماً عن إرادة الإدارة البريطانية ، انتشرت أناشيد الوعي وأصبحت الأغاني المحببة للشعب يرددها في تظاهراته وإضراباته وممارساته النضالية اليومية.

صرخة روت دمي... للدكتور محي الدين صابر

صرخة روت دمي
من كفاح ومنى
و استثارت هممي
فاحتقرت المحنا
و أنالت قدمي
هامة المجد ... هنا
فليعش مؤتمري ...رمز مجد الوطن ...عاتيا كالقدر ...خالدا ..كالزمن
*****
وحدتي أمنيتي
تحت ظل المؤتمر
وشعاري امتي
والصباح المنتظر
في كفاحي غايتي
ما يرجى كل حر
فليعش مؤتمري ...رمز مجد الوطن ...عاتيا كالقدر ...خالدا ..كالزمن
*****
يا بني السودان لا
تتــــــــوانوا أبــــــــدا
وادفعوه للعـــــلا
نحن لن نخلق سدى
لن نمل العملا
هاهو الصبح بدا
فليعش مؤتمري ...رمز مجد الوطن ...عاتيا كالقدر ...خالدا ..كالزمن
*****
قد عقدنا القسما
أن نفدى الوطنـا
ونوفي الذممــــــا
ونرضى مجــــــدنا
وننادى انمـــــــــا
هذه الدنيالنـــــــــــــا
فليعش مؤتمري ...رمز مجد الوطن ...عاتيا كالقدر ...خالدا ..كالزمن
*****
نهضة السودان أو فجر الغد
بعثتها صيحة المؤتمر
نقطة شقت ضمير الأبد
وسرت فينا سير القمر
عاش لي مؤتمري .....رمز مجد الوطــــــــــــــن
*****
جمع السودان شعبا واحدا
لا جنوب , بعد هذا, أو شمال
وسيبني المجد فينا خالدا
من جهود صادقـــــات ونضال
عاش لي مؤتمري .....رمز مجد الوطــــــــــــــن
*****
نحن أبناء جنود فاتحين
جثت الدنيا لدى محرابهم
عزة العرب ومجد المسلمين
في دمانا , نحن من أعقابهــم
عاش لي مؤتمري .....رمز مجد الوطــــــــــــــن
*****
أنا أبن النيل جدي وابي
سترى الدنيا غدا ما خبرى
سوف أمضي للعلا في موكب
تجتليه راية المؤتمـــــــــــــر
عاش لي مؤتمري .....رمز مجد الوطــــــــــــــن

إسماعيل و العقاد:
إعجاب إسماعيل عبد المعين عليه رحمة الله، ذلك الموسيقار الكبير، قاده إلي أن يلحن يا نديم الصبوات للعقاد حينما جاء إلي السودان هربا من الهجوم الألماني علي مصر إبان الحرب العالمية الثانية. يقول د. كامل إبراهيم "و لقد اسمعها إسماعيل الشاعر محمود أبو بكر (صاحب "صه يا كنار") الذي أعجب بالكلمات و اللحن و طلب أن يجاريها فكان عبد المعين يغنى بيتا من قصيدة العقاد ليتبعها ببيت من قصيدة محمود أبو بكر و هكذا إلى أن اكتمل العمل و كانت النتيجة تلك الأغنية الرائعة التي تغنى بها زنقار أولا ثم سرور ثانيا و أخيرا الاستاذ خضر بشير". (20)

و لقد تغنى عبد المعين بهذه القصيدة عندما تم دعوة العقاد الى حفل أدبى بنادى الخريجين بالخرطوم ليستمع الى آراء نخبة من الادباء السودانين فى شعره و نثره و بعد ان قدم صلاح الدين العتبانى كلمة ازعجت بعض كلماتها العقاد، تم تقديم اسماعيل عبد المعين لتلطيف الجو و كان وقتها طالبا بمعهد فؤاد الاول للموسيقي بمصر فغنى عبد المعين و بمصاحبة العود قصيدة "نديم الصبوات.(30)
يانديم الصبوات... (رايت ايرادها كاملة لانني لم اجدها مكتملة فى الشبكة)

يا نديم الصبوات *** أقــبل اللــيل فهـات
واقتل الهم بكأس *** سميت كأس الحـياة
***************
هاتها و اذكر حبيب *** النفس يا خير ثقاتي
و دع التلميح و أجهر *** بأسمه دون تقات
أتري نحرم حتي *** ذكره في الخـلـوات
ذهبي الشعر ساجي *** الطرف حلو اللفــتات
وحيي لا يحيـيك*** بغــــــير البســمات
هاتها باسم حبيبي *** قاتـــل الله عـــداتي
هاتها بأسم حبيبي *** قاتل الله عداتي
آه لو تعلم ماذا *** في اسمه من عزمات
أترى الأحرف فيه *** غيرها في الكلمات
هاتها عشرا وكرر *** وصفه العذاب مئات
صفه غضبان و صفه *** لاعبا بين اللدات
ضاحكا كالصبح يمحو *** بالضياء الظلمات
صفه من كساء *** صفه في كل الجهات
هو في الروض اذ *** يمشي احب الزهرات
و هو في القفر رياض من هوي لا من نبات
تم و الله، فيا ليت *** به بعض الهنات
تم حتي اتعب العين *** بفرط الحسنات
صفه، بل امسك! فقد *** هاجت عليه حرقاتي
جمح الوجد بأشجاني *** و ضاقت أزماني
إسماعيل عبد المعين مع المطربين و الشعراء:

خليل فرح:
في حلقة من حلقات برنامج "مع أهل الفن" في العام 1964 استضاف محمد خوجلى صالحين الأستاذ إسماعيل بمناسبة مرور 30 عاما على رحيل الفنان خليل فرح .. فقال إسماعيل " كان الخليل صديقا لخالي فتعرفت عليه عن طريقه و أذكر إنه نصحني بالذهاب اللي مصر لتلقى أصول الفن و الموسيقي بها عندما رأى اهتمامي بالموسيقي و التراث فقلت له حسب سذاجتي حينها "هل اذهب إلى مصر لأتعلم كيف تغني "يا ليل يا عين" فرد على قائلا يا ابني لا يريد منك احد أن تغني "يا ليل يا عين" بل لتتعلم و تفهم الموسيقى الشرقية و ألحانها لتثرى بها موسيقي بلادك" ...و لكنى تجاهلت نصيحته حينئذ...

كان الخليل وقتها يرقد مسجى في سريره ببرندة مستشفى النهر تكاد لا ترى جسمه الناحل و لا ترى غير الثوب في السرير ... كنت قد تعلمت كيفية عزف العود على يد الأستاذ عبد القادر سليمان شقيق إبراهيم سليمان "الهاوي" و كثيرا ما يطلب منى الخليل أن أعزف له ما يعرف بالسماعي الثقيل مثل "يا جميل يا خليل" من الحان مصطفى بطران و قصيدة "أيها الظبي" و التي تقول بعض كلماتها:

أيها الظبي في صفاك
أخ البدر في صفاك
أنا راضي بي حكم فاك
قسما بالذي براك
وبري الغصن و الأراك
لم خافتني ورآك
أتري بعد ذا أراك

السذاجة التي كان عليها عبد المعين حينما رد على الخليل (امشي عشان اعرف كيف أغني "يا ليل يا عين"؟؟) هنا ذكرتني بالسذاجة التي كان عليها المطرب إبراهيم عبد الجليل حينما كان بالقاهرة و أعجبت به أم كلثوم أيما أعجاب حتى سرت في السودان شائعة قرب زواجهما و حينما طلبت منه أم كلثوم البقاء في مصر و دراسة الموسيقى على حسابها قال "بالله عليك شوف الحلبية دى دايرنى اقعد هنا ... و اسيب سكر الموردة لي منو؟" و قد ندم فيما بعد اشد الندم .. و لنا أن نتصور لو أن صوت إبراهيم عبد الجليل و موهبته الفطرية قد أضيف لهما الدراسة .. ماذا ستكون النتيجة ؟؟ و لكن تعليلي لذلك أن إبراهيم قد دخل مجال الغناء و هو صغير و غير ناضج في الحكم على الأمور .. و في نفس الوقت لم يجد من يقود بيديه مما أودى به إلى متاهات الخمر و النساء و السهر و القعدات التي حطمته و حطمت معه موهبة غالية لم يجود السودان بمثلها إلى الآن.

احمد المصطفى:
عندما حضر سرور و احمد المصطفي إلي القاهرة لمقابلة عازف الكمنجة السر عبد الله الذي كان يدرس الموسيقي بمعهد فؤاد الأول قابلهما إسماعيل عبد المعين حيث كان يدرس بنفس المعهد و دعاهما لزيارة المعهد و غني الفنان احمد المصطفي أغنية (يا عظيم) لأساتذة المعهد والذي حدث إنهم طلبوا منه أن يغني لهم أغنية "نوبية" فغضب احمد و ابلغهم انه لا يغني النوبية و إنما العربية الفصحى و اعتذر لارتباط سابق و غادر المعهد و في الطريق سأل احمد عبد المعين عن معني هذه الإهانه التي وجهت له فقال له عبد المعين أن أساتذة المعهد يؤكدون دائما بأنهم هم الذين علموه كل شئ بما في ذلك التحدث باللغة العربية و كيف يلحن و كيف يغني و لهذا جئت بك خصيصا لهذا اللقاء لأبرهن لهم إننا نتكلم العربية و نلحن قبل أن نحضر إلي مصر للدراسة و قد دعوتك خاصة لأنهم يعرفون انك قدمت من السودان لتوك.(22)

و قد لحن إسماعيل لأحمد المصطفى أغنية "بنت النيل" للشاعر بشير عبد الرحمن و هي أغنية "غزل سياسي" فالبنت التي يتغزل بها هي ثمرة حب بين أم مصرية و أب سوداني و بالتالي ترمز إلى الوحدة بين شمال و جنوب وادي النيل.(20)

أبو الروس:
في نفس الزيارة السابقة التي حضر فيها إلى القاهرة احمد المصطفى و سرور و أبو الروس و في نفس مناسبة زيارة المعهد حاول أبو الروس استفزاز إسماعيل عبد المعين فقال له "أنت يا إسماعيل فارقت السودان من مدة طويلة و بكل تأكيد نسيت الغناء السوداني و الألحان السودانية .. و أنا عندي قصيدة عاوز ليها لحن و لكن لا أظن أنك تستطيع القيام بذلك" فضحك عبد المعين و قال "نشوف". بعدها دعت المجموعة عبد المعين إلى العشاء معهم بشقتهم و كانت القصيدة التي أداها فيما بعد الفنان احمد المصطفى هي:

ما أحلي ساعات اللقاء
و في الشاطب عند الملتقى
أنا و الحبيب....
عائشة الفلاتية:
يقول د. كامل إبراهيم (20) "حدث و بمحض الصدفة أن قابلت في مباني المجلس الأعلى للثقافة و الفنون ابن الفنانة عائشة الفلاتية فروى لي الحادثة التالية: ذهبت عائشة الفلاتية و أم الحسن الشايقية و فاطمة خميس إلى القاهرة لتسجيل بعض الأغاني .. تم التسجيل لام الحسن و فاطمة خميس و لما دخلت عائشة الفلاتية للاستوديوهات تفاجئت بان أحداهن – و لا داعي لذكر الأسماء – سجلت إحدى أغنياتها ... حار دليلها و خرجت لتجد إسماعيل عبد المعين يدخل الاستوديوهات فقصت عليه ما تم .. فما كان منه إلا و في اللحظة و الحين أن غير اللحن بلحن أجمل منه و هو اللحن الذي اشتهر ... و بذلك أخرج الفنانة الفلاتية من ذلك الموقف المحرج كما أضاف للأغنية السودانية لحنا جديدا.
سيد خليفة:
يورد د. كامل إبراهيم (20) الرواية التالية عن سيد خليفة " عندما قصد الفنان سيد خليفة القاهرة للدراسة بدار العلوم ... و بعد تعرفه بالأستاذ إسماعيل إلى هذا الأخير في سيد خليفة مشروع فنان و أستطاع أن يقنعه بان يسجل بمعهد فؤاد الأول للموسيقى و كانت الثمرة ذلك الفنان القامة ... و من الطرائف أن الأستاذ إسماعيل أراد أن يحفظ سيد خليفة لحن رائعة إدريس جماع "ابني عشك يا قمارى قشة قشة" فكانا يرددانها و هما في طريقهما في الشقة التي يسكنان بها .. و كان طريقهما يمر بمنزل احد كبار المسئولين الذي نصب أمامه كشك حراسة .. و يبدو أن اللحن استعصى على الأستاذ سيد خليفة بعض الشئ ... و في ذات مرة أخطا سيد خليفة في اللحن فصححه إسماعيل و هنا تدخل الحارس الذي كان بالكشك قائلا " ابن أشك يا أمارى أشة أشة ... هي دى شغلانة؟" " - باللهجة المصرية- و من الألحان التي مد بها الأستاذ إسماعيل الفنان سيد خليفة "ربيع الحب" و "الزول دا جننى يا أهل الله و شال الفكر منى" و "جزيرة توتى يا جنة" و "اى سرب يتهادى بين أطياف الجمال" و غيرهم.
من ألحانه و أغانيه:
بالإضافة إلى ما سبق ذكره لحن عبد المعين "ساهر طرفي ما نمت" لصديق عمره الشاعر حبيب الحسن و التي يتغنى بها خضر بشير و قصيدة " سهرانة ليه يا عيون" التي تغنى بها عوض آذار من فناني فرقة البساتين و كذلك قصيدة "بنات الريل" أداء الكابلي و لحن كذلك لأولاد شمبات نشيد "أهلا أهلا رجال الجيش" و أغنية "جمعتين ما أشوفك يا حبيبي حرام". لحن عبد المعين أيضا للفلاتية ثلاثة من أجمل أغانيها "يا حنونى و عليك بزيد في جنوني" و "الاسمراني يا ربي هل يطراني" و "أنا راسم في قلبي صورة الباسم".
و لقد لحن عبد المعين الكثير من الأغاني و كان دائما ما يتنازل عن حقه الأدبي و المادي لذلك لا يعرف أحدا عدد الأغنى التي لحنها بالضبط و لكن ما رشح عنها من أخبار يكفي للتدليل على مقدرات الموسيقار إسماعيل الاستثنائية. (20)
في القاهرة ألتقى عبد المعين بأحد ثوار ثورة 1924 المرحوم بشير عبد الرحمن صاحب "بنت النيل" و "ست العربية" و "أيه يا مولاي" الذى كتب له العديد من الأغنيات الوطنية الرمزية مثل " جبال التاكا" و "تمر النخيل استوى". و انتج له الارمنى ميشان اسطوانات "جبال التاكا" و "قابلته مع البياح" و "حجبوكا يا ضو السما". كما لحن رائعة أبو صلاح " العجب تيها في دروعها كابي حرتيها"
وكانت أغنية "جبال التاكا" بالذات فتحاً جديداً في عالم الأغنية السودانية ، و بها خرج إسماعيل إلي الجديد وهو يقود حركة التطوير . لقد اعترف سرور بالقيمة الفنيّة الواضحة لهذه الأغنية التي تقدّمت علي بقيّة الأغاني إذ لم يحدث حتى ظهورها ان خرجت إلي النور اسطوانة بالعدد الكبير من النُسخ الذي خرجت به اسطوانة "جبال التاكا" والأغنية وضع لها إسماعيل مقدّمة موسيقيّة جميلة ."(22)
طرائفه:
من طرائفه التي سمعها منه د. كامل إبراهيم (20) أنه و عندما كان يدرس ألّف أغنية و لحنها اسمها (البلو بلو) و هو نوع من الدجاج صغير الحجم و صار يتغني في المحلات العامة كلما سنحت الفرصة حيث يقول عبد المعين " كنت أرددها كثيرا واشتهرت بها لدرجة كان بعض الفرنسيين عندما نتقابل في الشارع أو المعهد يرددون (بلو بلو ... مسيو بلو بلو) ... مرة زارني فرنسي صاحب مطعم و طلب مني أن اسمح له بأن يطلق على مطعمه أسم "بلو بلو" و بالطبع وافقت ... ركب يافطة كبيرة كتب عليها "مطعم بلو بلو لجميع أنواع الأكلات" و دعاني لوجبة العشاء في ذلك اليوم و عندما هممت بالمغادرة سلمني ظرفا وجدت بداخله مبلغا محترما من الفرنكات .. نفس الشئ حدث مع أغنية "البجابجا" و هو نوع من الطيور غير أن المشتري هذه المرة كان صاحب مخبز".
بعد عودته من فرنسا شارك الأستاذ إسماعيل في حفلة بمدينة سنجه .. و كنوع من الاحترام احضر له حمار ابيض أنيق ليقله إلي مكان الحقل .. و عندما تحرك الأستاذ بحماره أخذ الأطفال يجرون خلفه و هم يتصايحون بكل براءة "الفنان الحمار الأبيض .. الفنان الحمار الأبيض".
خاتمة:
استطاع عبد المعين ان يثرى حياتنا الفنية و الموسيقية و الروحية بما قدمه من جهد فى تعليم نفسه سواء اكاديميا بالدراسة او ثقافيا بالاطلاع او بالبحث و التقصي عن اصولنا و تراثنا الموسيقى و منابع الفلكلور، او بتعليم غيره و تشجيعهم على التعليم و تأسيس مؤسسات تعليمية و موسيقية للنهوض بالمعرفة الموسيقية و صقل المهارات الابداعية.
اجتهد عبد المعين كذلك في سودنة و مزج الثقافات الموسيقية من شرقية و زنجية فى الماعون السودانى لاثراء الموسيقي السودانية و إذكاء التراث القديم. كما طبّق ما تعلمه من أسس و اساليب حديثة فى فن الموسيقي فى إحياء التراث و الفلكلور. اسماعيل كذلك لم يألو جهدا فى نشر الثقافة الموسيقية السودانية بالخارج و تصحيح المفاهيم الخاطئة بما تأتي له من فرص للسفر فى افريقيا و اوروبا.
و أحدثت مجهودات عبد المعين التراثية بعدا قوميا حيث يقول عبد القادر سالم "وعندالحديث عن الأغنية التقليدية في السودان، نجد أغنيات أُنتجت في ظروف مختلفة،عبرت عن تدعيم قيم التعايش السلمي بالكثير من معانيها ، فأغنية في الفؤاد ترعاه العناية مثلاً، تحمل مثل هذه القيم، كما غني خليل إسماعيل غني "زانداوية كيف" لأسماعيل عبد المعين، هذه الأغنيات دعوة للتعايش السلمي دعمتها الأغنية الحديثة والتقليدية في السودان. (جريدة الميدان ١٣ مايو ٢٠٠٨العدد 2073)
في كل عام يطل الاستقلال، أليس من الوفاء أن نذكر بكل محبة وتقدير الفنان المناضل إسماعيل عبد المعين ، احد أولئك الفرسان الأفذاذ الذين اغنوا حياتنا الفكرية وأسهموا بدور كبير في تثقيف أبناء الشعب وتوعيتهم من اجل أن يثوروا في وجه جلاديهم الذين أذاقوهم ألوان العذاب والاذي الجسدي والنفسي إلي أن أشرقت شمس الاستقلال ، وطلع الفجر ساطعاً من مشاعل الثوار والفلاحين والعمال والفقراء ودموع الأمهات في صباح الأول من يناير 1956م !!!!.
وفاته:
يقول د. طراوة و الموسيقار د. الفاتح حسين أن عبد المعين أرتحل عن دنيانا في 28 مايو 1984 بينما يقول آخرون (20) 1986










التوقيع
مرر الماوس


التعديل الأخير تم بواسطة ابو ريم ; 06-03-2009 الساعة 11:16 AM.
 
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نفحات إيمانية محمودآل شرفى أرشيف عام 2010 6 12-04-2010 12:42 PM
من نفحات الطواف : عبدالعظيم ساتي مصراوي أرشيف عام 2009 4 03-14-2009 12:50 PM
نفحات فى الطريق للجنة كجوكابي ارشيف عام 2008 6 06-10-2008 12:14 PM
نفحات عماد الخير عوض الله باشا أرشيف عام 2007 3 11-21-2007 11:55 AM


الساعة الآن 02:25 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
تركيب ودعم: artuter
الآراء والمواضيع المنشورة بالمنتدى تعبر عن وجهة نظر كاتبها