كرم الله في كرم الفدرالية - د. عبد اللطيف البوني - صحيفة التيار
السودان! هذا البلد (الحدادي المدادي) لايمكن أن يحكم بنظام مركزي قابض ولابد له من حكم ذاتي أو فدرالي... هذه أضحت مسلّمة من المسلمات السياسية لايتناطح فيها كبشان أملحان. أما محاولات إقامة نظام فدرالي فهي قديمة قدم السودان الحديث، فالتركية السابقة قد جربتها منذ منتصف القرن التاسع عشر، أما المهدية فقد كانت دولة فكرة قابضة (طالبان قديمة)... الإنجليز سعوا لإشراك القيادات المحلية عن طريق قانون الإدارة الأهلية 1927م، واستمرت المحاولات طوال العهود الوطنية عسكرية كانت أم حزبية وما بينهما من فترات إنتقالية. الآن وبعد انتخابات الولاة (مهما كان رأينا في هذه الانتخابات) يمكننا القول بأنّ التجارب الفدرالية في السودان قد خرجت من مرحلة الأشواق إلى مرحلة التطبيق. فهذه أول مرّة في تاريخ السودان يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع ويختار والي الولاية التي يقطن فيها. على أيام نميري كان انتخاب حاكم الإقليم يتم عن طريق كلية انتخابية تُرشِّح ثلاثة يختار رئيس الجمهورية منهم واحداً، أي لم يكن هناك انتخاباً مباشراً. أما تجربة الإنقاذ إلى ما قبل الانتخابات الأخيرة فقد كانت فدرالية أشدَّ قبضة من المركزية، وإن شئت الدقّة قل ولايات عبارة عن ظلال للمركز، فكل شيء يتم في المركز حتى مدير مكتب الوالي يُعين من هناك. كان مؤملاً أن تأتي بعض الولايات بولاة من غير الحزب الحاكم لكي نرى الفدرالية وهي تسعى بأرجلها بين الناس، ولكن للأسف كل ولاة الشمال من الحزب الحاكم، لابل معظمهم كان في نفس المنصب وبالتعيين الأمر الذي يجعلنا نتكهن بأن تستمر ظلال المركز الكثيفة ملقاة على التجربة، بمعنى أن يواصل الولاة ولاءهم للحزب الذي جاء بهم وليس للمواطن الذي انتخبهم. لاتسألني عن المسافة التي تفصل بين الحزب والمواطن الذي قام بعملية الاقتراع. من هذه الضبابية يخرج والي القضارف كرم عباس كوالٍ سنده الشعبي أكبر من سنده الحزبي بدليل أنّ كرم كان معارضاً للولاة الستة الذين سبقوه إلى حكم القضارف. نعم، لقد كانت معارضته تنطلق من الكنانة الإنقاذية بمعنى أنّ كرم نفسه من جماعة الإنقاذ لكنّ ولاءه لأهله بالقضارف كان أكبر من ولائه للحزب الحاكم؛ بعبارة أخرى يتمتع بسند شعبي (عرق جبين وضرب يمين ) كما يقولون، ولن يضحِّي كرم بهذه الشعبية وهذا ما رشح من تصريحاته الأمر الذي عرضّه إلى صدام مُبكِّر مع ذات الكنانة الإنقاذية؛ لذلك ظهر كرم حتى الآن كوالي (مفندر) فلو ألقينا نظرة عابرة على تردد أسماء ولاة الولايات في الصحف السيارة لوجدنا أن كرم الله حاز على نصيب الأسد. إنّ تجربة كرم الله جديرة بالمتابعة، فهي الكُوّة التي سوف تنفُذ منها فدرالية حقيقية تصنع قادة محليين حقيقيين وتُقلِّص الظل الإداري الذي يشكو من تمدده كل الناس، ولكن الخطورة على تجربة كرم الله تأتي من جهتين أولاهما حزبه الحاكم، فهذا الحزب- وهو سليل الحركة الحركة الإسلامية التي تعتبر الانضباط التنظيمي ركناً أساسياً من أركانها- سوف يكبل كرم الله بكل القيود التنظيمية وهنا سوف يظهر أصحاب المصالح الخاصة، النفعيون الذين في سبيل مصالحهم سوف يكيدون لكرم الله الذي أصبح عائقاً أمامهم. جهة الخطورة الثانية هي كرم الله نفسه، فيبدو أنه غير مدرك لحجم خصومه داخل حزبه وقدرتهم على الإطاحة به ووأد تجربته. لو كان الحزب الحاكم قلبه على التجربة الفدارلية فليعطي كرم الله الفرصة، وليسلك كرم الله الطرق غير الوعرة ولكن هل يمكن أن يحدث هذا؟