• ×
ابوعباده

أفكار غير قابلة للتداول

بواسطة: ابوعباده

 3 تعليقات

 0 إهداءات

 212 زيارات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أفكار غير قابلة للتداول
كثيرة هي الصفات والألقاب المتداولة التي سمعنا عنها ولا زلنا نسمع على مر التاريخ خاصةً بعد انتقال قيادة دولة الإسلام من عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ، إلى من جاء بعدهم من أصحاب المُلك العضوض ، ثم الحكم الجبري الذي ما زال يجثم على صدورنا ، وبالأخص بعد سقوط الخلافة الإسلامية ، حتى أن تلك الألقاب أصبحت رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه ، وأضحت في عُرف البعض جزءاً من تصنيف المجتمع رغم أن بعض أولئك المصنفين يحملون صفات بلا موصوف ، بعضها مجرد عباءات يلتحف بها بعض المنتفعين والمقربين ، واختلط الحابل بالنابل للدرجة التي يصعُب التفريق بين من يستحقها علماً وورعاً وخلقاً وسلوكاً ، وبين من ركب الموجة من أولئك المنتفعين- إلا من رحم الله - فمن تلك الألقاب لقب ( الشيخ ) ، أو ( الفقيه ) عند المغاربة ويتحوَّر اللقب عندنا في السودان ليصبح ( الفكي ) أو ( مولانا )، وعند بعض الأفغان والهنود والباكستانيين ومن جاورهم نجد لقب ( مُلاَّ، وبعض دول الخليج كالكويت مثلاً نجد لقب (مطوِّع ) ، وعند الأزهريين ( واعظ ) , أو ( عمي الشيخ ) ، ثم أستحدث الناس في العصر الحديث لقب ( داعية ) . مثل هذه الألفاظ تستفزني لما تحمله في بعض مضامينها ركون الناس لفئةٍ من أصحاب هذه الألقاب ليتولوا فهم الدين نيابةً عنهم ويحتكرونه دون غيرهم من الناس ، وهذا بدوره أصاب المجتمع بالخمول والبلادة الذهنية ! ، وأضحى الأمر وكأنه ( كهنوت ) وصكوك غفران ، كما حدث عند النصارى في فترة العصور المظلمة ، وأصبحت مهمة أولئك المفتين البحث عن الحيل والمخارج للناس ، رغم أن الأمر بينٌ وواضح ، وهذا بدوره جعل بعض العامة من الناس ينفرون من الدين من خلال تلك التعقيدات التي أحدثها أولئك المنظرين من حملة الألقاب المذكورة حتى اتجه بعضهم نحو العلمانية هروباً من تلك التعقيدات التي لا تنتج فقهاً كما يصفها د. الترابي رغم أنه هو نفسه أحد معاول الهدم في العصر الحاضر ، وانتهز المستغربون هذه الفرصة ولم يفوتوها فأطلقوا على تلك الفئة لقب ( رجال الدين ) فاكتملت الصورة عندهم ، كما تروج لذلك قناة العربية ومن شابهها ، فما أشبه الليلة بالبارحة ؟ .
إن نسبة عالية من المسلمين في العصر الحاضر يعرفون الحلال والحرام بتفاصيله أو على الأقل يعرفون منه ما يكفيهم في حياتهم اليومية ، ولا أخال أغلبهم في حاجة للتهافت خلف محطات التلفزة للسؤال وطلب الفتوى عن بعض البديهيات التي لا تخفى على البدو في جوف الصحراء بفطرتهم التي فطرهم الله عليها ، يعرفها كذلك من تخرج من المرحلة الابتدائية في المدارس العامة التي تدرس المناهج النظامية ، وقد ورد في الحديث الذي يحفظه عامة الناس ( الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّن وبينهما أمورٌ مشتبهات ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ) ، وفي الحديث الآخر ( البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ) ، وكذلك ما ورد عن وابصة بن معبد قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( جئت تسأل عن البر ؟ قلت : نعم فقال : استفت قلبك ، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والاثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك ) وفي الحديث الآخر ( إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه ) . وفي أغلب ظني أن أغلب تلك القنوات التي أفردت مساحات واسعة للفتوى هي قنوات ربحية استمرأت العائد المادي وجرَّت الناس نحو الشاشة فأصبحنا نسمع أسئلة ساذجة لا تفوت على عوام الناس وهم في متاجرهم وفي مزارعهم ، ناهيك عمن تعلموا ودرسوا المناهج الدراسية المعروفة ، هل يا تُرى يجهل الناس أبجديات الأمور الفقهية التي تكفيهم في حياتهم اليومية من صلاة وصيام وزكاة وبيع وشراء وحلال وحرام وتعاملٍ فيما بينهم ؟ ، لا أظن ذلك ، لذا فإن بعض تلك القنوات أصبحت تروِّج "للعطالة "بين الناس ، وتربيهم على الكسل وبلادة الذهن ، وعدم التفكير والتفكُّر ، وهي تكسب من وراء ذلك الأموال الطائلة ، ودون أن تدرك أنها بفعلها هذا تساهم في إضعاف ارتباط الناس بالله سبحانه وتعالى مباشرةً بلا واسطة ولا فتاوي ، لدرجة أنه يُخيَّلُ إليَّ أنه ربما يأتينا زمانٌ نتصوَّرُ فيه أن الرجل سيضطر إلى أن يوقف سيارة تاكسي أو أمجاد ويركض ليبحث عن (شيخ ) أو (فكي ) ليحل له مسألته على طريقة الكهنوت ويبحث له حيلةٍ أو مخرجٍ من ورطته التي يعلم في قرارة نفسه أنها مما حاك في نفسه ، لكنه لم يستفت قلبه بل ركض يبحث عن المخارج ، إن أباءنا وأجدادنا كانوا ولا زالوا يبدؤون يومهم بقولهم (يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم ) ، وهم ما زالوا على مصلاَّهم في صلاة الفجر ، تماماً كما يفعل المفتون والدارسون وأهل العلم ، ولو بدرجة أقل ، لا تَخِلُّ بالفهم العام للدين ، ففي بعض الروايات التي وردت في أذكار الصباح قول المصلي بعد الفراغ من الأذكار الواردة ( اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وعملاً صالحاً متقبلا ) ، فما الفرق إذن بين هذا العالم وذاك العامي ؟ .
إن هذا الدين بدأ بسيطاً يفهمه كل الناس قبل أن يستعرض بعض من انتسبوا إليه ممن حملوا لواء الفقه والدعوة عضلاتهم ، فتراهم ينظِّرون ويتجادلون وتدور بينهم المعارك الطاحنة فتسمع جعجعة ولا ترى طحناً ، فيعودون من حيث أتوا ، حتى زهد بعض الناس في العلم والتعلم طالما كانت تلك مخرجاته ، ففي كل مسألة أقوالٌ و وأراء ، واستنباطات وشروح وحواشي لا أول لها ولا آخر لا تلبث أن تعود للنقطة التي بدأ منها الجدال . كان البدوي وهو يرعى إبله يفهم الدين كما أنزل دون أي تأويلات أو تفصيلات ، وقد وردت لنا منهم بعض الآثار كذلك الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم ( إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به فقال له صلى الله عليه وسلم لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ) ، وورد أيضاً أن رجلاً جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن أركان الإسلام فبيَّنها له صلى الله عليه وسلم ببساطة تتمثل في الشهادة والصلاة والزكاة والصوم والحج ، وكان الإعرابي يقول في كل مسألةٍ منعا : ( هل عليَّ غير ذلك ) فيجيبه النبي صلى الله عليه وسلم ( لا إلا أن تطوع ) فيولَّي الإعرابي وهو يقول ( والذي بعثك بالحق لا أزيد عن هذا ولا أنقص ) فكان رد النبي صلى الله عليه وسلم ( أفلح إن صدق ) ، أرأيتكم كيف أن هذا الدين يسر ولا يحتاج إلى تعقيد أو تنظير ، بالله عليكم دعونا نعبد الله تعالى كما نفهم نحن لا كما يفهمه الآخرون ، فالله سبحانه وتعالى سائلنا عن فهمنا وتطبيقنا لما استطعنا منه ولن يسألنا عن فهم أصحاب النظريات والتنظيرات والتشعبات ، الذين خلطوا الدين بالسياسة والفلسفة والتنظيرات التي جلها صياح ورفع أصوات بدون فائدة ، اتركونا على فهمنا الساذج ، ولا تشغلونا بتنظيراتكم ، فما الذي يعنينا عن الجهمية أو المرجئة أو المعتزلة ، أو المتهورين والانتحاريين أو إن شئت فقل المتعجرفين والجهلة الذين أوقدوا النار وجلسوا بعيدون يستدفئون بينما غيرهم يحترق بنارها ، ..و غير ذلك من الصفات التي تفردون لها مجلدات لا يطلع عليه سواكم ، خذوا مجلداتكم واذهبوا بها بعيداً وتناطحوا كما شئتم فرحمة الله أوسع لنا ، وأرض الله واسعة فهاجروا إليها إن شئتم ، ولا تخلطوا الأمور وتعقدوا الحياة البسيطة أمام الناس ، قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم ) وقال رضي الله عنه ( حدث الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذب الله ورسوله ) ؟ فهلا تركتم لنا ديننا سهلاً وبسيطاً كما أنزله الله ؟
نحن غدونا أمة تنظير وتفريعات بدون عمل ، ولو أننا عملنا ببعض ما علمنا – لا أقول كل ما علمنا – بل بعضه فقط لما كان هذا واقعنا ، نحن أمة منهزمة تبحث عن مبررات لهزائمها ، ويتشدق بعضنا بشيء اسمه ( العقيدة ) ، لا بأس ! فالعقيدة هي أساس الدين ولا ريب ، ولا دين بلا عقيدة صحيحة ، لكني أقول لمن يتشدَّق بالعقيدة بغير عمل ولا خلق ولا سلوك يمشي بين الناس ، ( بٍلُّوها واشربوا ماءها ) ، ما فائدة أن تكون لي عقيدة سليمة ، وأنا أكذب وأغش وأتحايل ولا أتورع عن أي محرمات أو معاصي ، وأبحث بعد ذلك عن المبررات ، ألم يقل صلى الله عليه وسلم عندما سئل ( أيكون المسلم كذاباً ، قال : لا ) . لقد شبعنا من التنظير والفلسفات لحد التخمة ، نريد أمةً تعبد الله وتعمل وتنتج وتسود الأمم كما كانت ، لا أمة خاملة نائمة يأتيها رزقها من عند أعدائها ، تعيث في الأرض فساداً ، تقاتل بعضها بعضاً وترفع علامة النصر ( V ) ، دون خجل ، ليت شعري من المنتصر ومن المهزوم ؟ حتى أصبحنا أضحوكة عند الأمم . في هذا العصر لو كنا صادقين فعلاً لكفتنا خطبة الجمعة الأسبوعية بما فيها من مواعظ ، قبل أن تتحول الخطب نفسها إلى تنظيرات سياسية جوفاء تصبغها كل جماعة بما يتوافق مع أيديولوجياتها الفكرية لا بما يتوافق مع الدين كما أراده الله سبحانه وتعالى حتى جعلوا الناس فرقاً وشيعاً وصنفوهم حسب الأهواء ، حبذا لو يعود أهل العلم إلى المسجد ويتولون تعليم الناس مما يتيسَّر لهم من فنون العلم في أوقات الصلوات ، ثم ينصرف باقي الناس إلى أعمالهم كل حسب صنعته وتخصصه لينتجوا لنا مجتمعاً متكاملاً يشد بعضه بعضاً ، ينبغي أن لا يُشغل الناس بأكثر من ذلك فيميلون إلى الدعة والخمول ، ينتظرون أن تمطر السماء ذهباً وفضة ، ويتكففون عند أبواب الجمعيات الخيرية ، ولو كان الأمر بيدي لأغلقت جميع تلك الجمعيات الخيرية ، لأنه لا خير من ورائها ، والأفضل لنا أن نفعل نظام الضمان الاجتماعي في الدولة ، فالناس صنفان فإما رجلٌ قادرٌ على العمل والكسب ، وعلى الدولة أن توفر له سبل الكسب والعيش الكريم ، أو صنفٌ عاجز عن الكسب لأي سببٍ من الأسباب ، وهذا من حقه علينا أن تصرف له الدولة من خزانتها أو من موارد الزكاة ما يكفيه لأن يعيش كريماً بيننا ، ولا تجعله يستجدي رزقه عن أبوب جمعياتها الموسومة بالخيرية ، كان أن مصارف الزكاة نفسها يجب أن تتطور إلى مشاريع انتاجية من مصانع ومزارع وحرف يستعين بها الناس في حياتهم ، وينتقلوا من مرحلة الحاجة والاستجداء إلى مرحلة الانتاج والكسب الحلال ، وقديماً قال الصينيون في إحدى حكمهم ( لا تعطيني سمكة ولكن علمني الصيد ) . والله
أعلم .




الترتيب بـ

الأحدث

الأقدم

الملائم

  • عبدالعظيم ساتي محمد أحمد

    الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وآله ،الحمد لله الذي جمعنا ثانية أخي الكريم / ابوعبادة ، ويالها من اطلالة قوية ومباركة ، جاءت سهلة ووآضحة الا علي من يأبي ، تحمل فكرا كبيرا يسهل المسألة في زمن كثرت الطرق وتشعبت حتي تمخض الجمل فولد داعشا ، وماخفي اعظم .
    لك التحية علي هذا الطرح الشجاع ، فرغم كثرة الالقاب والدرجات العلمية المرموقة الا ان حيرة الناس ازدادت وتفرعت وتفرخت مشاكلها بين الوعظ الكثير والثمرة الضعيفة ، فالعملية كلها مربوطة مع بعضها برباط مقدس ( لو خشع قلبك لسكنت جوارحك ) فان جاءت الحجة او الدليل فقط ، او جاء الاصرار باللسان فقط ( كالمثال الرائع الذي جئت به وتمسك البعض بضرورة التوحيد دون ان يلازم هذا التمسك مايترجمه من اعمال ) تكون كحال من يحرث في البحر .

    بحق هذا الطرح يحتاج وقفات ووقفات ، وهذه تحية لك علي عجل وسأعود باذن الله تعالي .

    • هاتي الصغير

      حبيبنا الرائع والنقاد الرائع عبدالعظيم ساتي لك التحية من هذا الصرح الحديث
      بتمنى ان تعم الفائدة الجميع بعيدا عن اي تعصب

      11-24-2015 12:22 صباحًا

  • أبومراد

    التحية والتقدير لك شيخنا أبوعبادة
    هؤلاء ممن يحملون هذه الألقاب كانوا يتولون مهمة شرح أحكام الدين وتقديم الفتوى والمشورة في مسائل دينية ودنيوية لفئة من الناس شغلتهم أمور الدنيا عن فهم الدين ، وكانوا يأخذونن منه ما يعينهم على أداء الفرض فقط دون الخوض في المسائل الفقية الأخرى ، وقد نجم محقين في هذا الفهم من باب ( أعطي الخبر لخبازه ) وما نشاعده ونسمه ونقرأءه اليوم من غلو وتطرق واختلاف في فهم العقيدة واللجوء الى فرض الرأي بالقوة من تيارات وتنظيمات تدعي الاسلام وهي بعيدة كل البعد عنه حتى ارتبط الإرهاب والقتل والإجرام بالاسلام .

    11-28-2015 11:04 صباحًا

    الرد على أبومراد