• ×
عبدالعظيم ساتي محمد أحمد

محطات للفرح :

بواسطة: عبدالعظيم ساتي محمد أحمد

 0 تعليقات

 0 إهداءات

 248 زيارات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

قبل أكثر من قرن كانت ناوا عبارة عن غابة كثيفة من الاشجار , اتخذ أهلها علي بعد بضع مئات الامتار من النيل مساكنهم , وقد نصبت السواقي لري مساحات صغيرة استطاعوا بعد جهد جهيد نظافتها من تلك الاشجار , مساحات تغطي حاجتهم من الطعام في حده الأدني , وكانت الحياة قاسية بكل معاني القسوة , ولولا تكاتف الأفراد في كل أسرة وتعاون هذه الاسر مجتمعة مع بعضها (الفزع ) لما بقوا فيها ولتشتتوا في اصقاع السودان كما حدث ذلك ابان المجاعة الشهيرة .
ومن حسن الطالع في ذاك الزمان أن أهل ناوا كانت لهم صلة وثيقة بالعالم الخارجي , وبالذات بجمهورية مصر , فصلة بعض ابنائهم بها قديمة , منهم من عاصر التركية وفترة الاستعمار الانجليزي وحتي نالت مصر استقلالها , فكان أن تأثر هؤلاء النفر في جميع مناحي الحياة المختلفة , ونالت المكننة الزراعية واثرها في حياة الناس هناك وحتي قبل قيام السد العالي , نالت اعجاب هؤلاء النفر, فجاءت المبادرة المباركة ليقودها نفر كريم من ابناء ناوا , انار الله بصرهم وبصيرتهم وسخرهم مشاعل للنور وعزائم للجد والعمل , فكان لهم القدح المعلي والسهم الأوفر لقيام المشروع الزراعي التعاوني , هذا المشروع الذي غير وجه ومعالم ناوا واحدث فيها طفرة نحصد ثمارها حتي يوم الناس هذا , هذا المشروع البس ناوا حلة زاهية من الخضرة والجمال والتنسيق الرائع , بعد النيل مباشرة مساحة زراعية , تليها البيوت القديمة (بيوت الاجداد ) واشجار النخيل ثم مساحة زراعية اكبر , ثم مساكن الآباء , لوحة تعجز ريشة أمهر الرسامين في تجسيدها , فعاش الناس حياة مستقرة , ارتفع خلالها دخل الفرد , وكانت سعادة اهلينا في زراعة محاصيل الصيف ومحاصيل الشتاء وازدهرت ثقافة تربية الحيوان ونشطت .

الثقافة العالية للآباء كانت أيضا من عوامل الفرح الجديد , فبعد استقلال السودان بقليل , وبمجاهدات نفر كريم أدركوا منذ وقت مبكر أهمية العلم النظامي الرسمي الذي تقدمه الدولة وأثره المبارك في حياة الناس , وبهذه الروح تحرك هؤلاء بين أهليهم تبصيرا وتوعية , فجاد أهلنا بالأرض , فكانت مدرسة ناوا الأولية , وفيما بعد تلتها مدرسة ناوا للبنات , فاندفع أهلنا في الحاق أولادهم بهذه المدارس بحماس قل نظيره في قري المنطقة .

بعد ان دبت العافية في جسد ناوا , وذاق الناس طعم الثمرات المباركة للتعاون فيما بينهم وتشابك الايدي , كان ابناء ناوا بالعاصمة الخرطوم يشكلون حضورا فاعلا ومميزا عن سائر القري ,

التقت الاجيال هناك , فمنهم من صقلته تجارب الغربة وخبرات الشعوب , ومنهم من نهلوا العلم واحرزوا الدرجات العلمية المتقدمة , وشباب اتقد حماسا وانتماء , شكل كل أؤلئك جميعا حلقة من حلقات ناوا الذهبية , فكان طبيعيا وفي ذلك الزمن المبكر أن يكون لهؤلاء ناد ورمز , يلتقون فيه ويتدارسون شئونهم الخاصة والعامة وطرق ووسائل الدعم لاهليهم هناك في ناوا , وكانت هذه الدار المدرسة الوطنية الاولي التي ظلت تربي وتعلم اجيالا معني الانتماء والتجرد وتغرس فيهم قيم العمل العام , فكان نادي ابناء ناوا بالديوم الشرقية والذي ظل شامخا وشاهدا علي عبقرية الاباء وبعد نظرهم .

وفي مطلع الستينات كانت ناوا علي موعد مع فرح جديد , ونقلة زراعية , فرح بطعم البرتقال والمانجو , فقد تم لأول مرة ادخال زراعة الفواكه ضمن نشاط المزارعين , فقامت الجنائن التي تحوي أجود أنواع المانجو والبرتقال بتلك الحلاوة العجيبة , حلاوة افتقدناها منذ اختفت تلك الاشجار من حدائق ناوا .

رحم الله الآباء وجعل الجنة مثواهم , فلقد ظل الفرح يرفرف في سماواتهم علي الدوام , فرح سقوه بصبرهم وعزائمهم وتكاتفهم وجدهم واجتهادهم وآمالهم التي لا تحدها حدود , فبمجرد فراغهم من هدف كانت تتجه عقولهم وأفئدتهم وأبصارهم وسواعدهم لهدف آخر , فعاشوا سعداء وأعزة بوحدتهم , وكلما قابلتهم عقبات كانوا أكثر اصرارا علي بلوغ مبتغاهم , واذكر يوم ظهر الهاتف كآخر ماوصل اليه العلم من تطور , وضعت الشروط التعجيزية فكانوا قدر التحدي بايجاد عدد من المشتركين الذين يسمح بموجبه بقيام كبانية , فقامت كبانية ناوا ودخلت الهواتف في البيوت والمحلات التجارية , والعالم من حولنا لا يهتدي لذلك سبيلا .

محطات الفرح في حياة الآباء لا تعد ولا تحصي , وملحمة قيام المدرسة المتوسطة للبنات ظلت عالقة باذهاننا ونحن صغار , كيف لا وناوا يومها وقفت كلها هناك لوضع حجر الأساس لهذه المدرسة وبمشاركة مباركة كريمة من ابناء بررة قدموا من الخرطوم .

عقود من عمر الزمان حق لنا أن نطلق عليها عصر النهضة , طرقت ناوا خلالها كل أبواب الخير والسعادة البشرية , أقبل الناس بكلياتهم , كل في مجال عمله فازدهرت الزراعة وذاع صيت تجار ناوا وغدوا تجارا يشار اليهم بالبنان , وارسلت ناوا بنيها مدرسين لكل السودان ينشرون العلم والنور ويساهموا فيه , فكانوا مشاعل خير حيثما حلوا ( وباذن الله سافرد لهم مساحة خاصة ) , ووسط هذه الصحوة والنشاط والجد كان مولد شركة ترحيلات ناوا ولتي المحدودة كواجهة من الواجهات التي اقتضت الضرورة قيامها في ذاك الزمان الذي تقل فيه وسائل المواصلات علاوة علي الوقت الطويل الذي يحتاجه النقل النهري , فلقد ربطت هذه الشركة ناوا بمن حولها وبالعاصمة الخرطوم , نقلت الركاب والمسافرين وافردت مساحة من السماحة مع طلاب العلم , وكذا نقلت المحصولات من فول وبلح لتكون امدرمان السوق الذي يدر العائد المجزي للمزارعين فنشطت حركة الزراعة والتجارة في المنطقة .

• هذه هي ناوا التي عرفناها قبل سنوات خلت , محطات من الفرح جلبت السعادة للناس , كل الناس , فهل من عودة ايها الابناء والأحفاد ؟ وهل من وصل من جديد بموطن الآباء والأجداد بعد أن أخذتنا المهاجر المختلفة ؟ فناوا الآن بحاجة ماسة لكل الطاقات , تحتاج لتشابك الايدي من جديد , تحتاج للرأي السديد , تحتاج للمال وعزيمة الرجال , تحتاج وتحتاج , فهل من مجيب ؟